
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين الذي أنزل شريعة الإسلام هدى للناس ورحمة للعالمين، وجعلها لنا صراطا مستقيما يهدي بنا إلى سعادة الدارين، والشكر له أن هدانا إلى الإسلام، وفضلنا على العالمين أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إمام الخاشعين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبون الطاهرون، الحافظين لحدودك يا ربنا والخاشعين لك، وبعد فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله في أنفسكم، وفي صلواتكم لتفلحوا في دنياكم، ثم أما بعد لقد كانت المدينة المنورة بحاجة إلى أمر ينظمها ويضمن حقوق أفرادها، فكتب الرسول صلي الله عليه وسلم وثيقة كانت بمثابة دستور بين المهاجرين والأنصار واليهود، وكانت لتلك الوثيقة أهمية عظيمة، إذ كانت بمثابة الدستور الذي ينظم أمور الدولة في الداخل والخارج.
وأقام الرسول صلي الله عليه وسلم البنود بحسب أحكام الشريعة الإسلامية، كما كانت عادلة من حيث المعاملة مع اليهود، وقد دلت بنودها على أربعة من الأحكام الخاصة بالشريعة الإسلامية، وقد شبه الإمام الغزالي عقد الأخوة في الإسلام بعقد النكاح بين الزوجين قائلا “اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين” ثم يحدد حقوقا ثمانية للأخوة الإسلامية مستلهما من الأحاديث والروايات، والأخوة بهذا المفهوم يضع بين المسلمين واجبات وحقوق، ومن هذه الحقوق هو من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته، وأن يواري عورته، ويفرج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده” وبإزاء هذه الحقوق ليست هناك مشكلة إلا وهي قابلة للحل، وحتى مشاكله بعد مماته سيجد من يحلها ويتصدى لها، وليست الأخوة فقط القيام بهذه الواجبات وحسب.
بل هي مشاعر متدفقة تتداخل لتتحول إلى شعور واحد يجمع الكل في إحساس واحد من الأخوة، فالمؤمن يأنس للمؤمن يجالسه ويلاطفه يلتجأ إليه عندما تهب عليه المصائب وتحوم حوله المشكلات، فقيل “إن المؤمن يسكن إلى المؤمن كما يسكن الضمآن إلى الماء البارد” فإن الحياة في واقعها مجموعة أزمات ومصائب فعندما تحل بأحد أزمة لا يوجد طريقا للخلاص إلا في أحضان أخيه المؤمن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من نفس عن أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه سبعين كربة من كرب الآخرة” وفي إطار من الأخوة بنى الإسلام المجتع الإسلامي في المدينة المنورة الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا، فكم كان بين الأوس والخزرج من الحروب الطاحنة، وكم كان بين المكيين وأهل يثرب من أحقاد دفينة اججها اليهود بين هاتين الطائفتين كلها.
تبخرت مع حلول آصرة الأخوة حتى أصبح الأنصاري أخا للمهاجري يهب له أفضل زوجاته ليختار منهن ما يريد، كما فعل ربيع الأنصاري لعبد الرحمن بن عوف المهاجري، فأين تجد هذه الصورة الرائعة من الأخوة، لن تجدها بالطبع إلا في ظل الإسلام، الذي بنى المجتمع على قاعدة العقيدة وجعلها أفضل ركائز في التعامل الاجتماعي فقتل المسلم أخاه الكافر الذي أولدته أمه من أجل عقيدة الاسلام، وأمام هذه العقيدة تزول كل الحواجز والثغرات، وإن طاعة ولاة الأمر فيها طاعة لله سبحانه وتعالى، وأن بطاعتهم تنتظم حياة المجتمع، ويسلم من الآفات والاضطرابات، وإن من أسباب الأمن والاستقرار، هو طاعة ولاة الأمور، وخصوصا أن الالتفاف حولهم من أسباب قوتهم واجتماع الكلمة وعزها واستقرارها وأمنها على الدماء والأموال والأعراض.
وأن من السبل العظيمة لتحقيق الأمن تطبيق أحكام الشريعة على المجتمع أفرادا وجماعة بلا تفريق لأن تطبيق حدود الله يردع المجرمين من فسادهم، وإن تحكيم كتاب الله وتحكيم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أقوى دعائم الأمن والاستقرار لأن نصوص الكتاب والسنة تؤمن المجتمع من الآفات وتأخذ على يد الظالمين والسفهاء وتردهم عن ظلمهم وطغيانهم، فثمرات تحكيم الشريعة الإسلامية التمسك بهذا الدين واستقامتهم عليه.





