
زيف السوشيال ميديا وخراب البيوت
بقلم/ سهير محمود عيد
هناك الكثير من المشاهدات الحية، والمخاوف العميقة حول الوباء النفسي الأحدث والأخطر الذي يتسلل إلى بيوتنا، وعقولنا، ونفوسنا ببطء ونعومة عبر شاشات الهواتف الذكية التي لا تفارق أيدينا. إنه وباء “المثالية المصنوعة”، وهوس اللقطة الكاملة، والمقارنات المدمرة التي بدأت تقوض أركان الأسر المستقرة، وتلتهم سلامها الاستراتيجي، وتحول البيوت الآمنة المطمئنة إلى ساحات مفتوحة من الإحباط، والرفض الصامت، والشك المتبادل.نعيش اليوم في زمن تكنولوجي شديد التعقيد، أصبح فيه الفرد البسيط محاصراً، بل ومستهدفاً في وعيه اليومي، بصور وفيديوهات لا تتوقف، تعرض أنماط حياة خالية تماماً من الشوائب والعيوب؛ أزواج يتبادلون الهدايا الفارهة والابتسامات العريضة طوال الوقت، وأمهات يرتدين ملابس أنيقة وبكامل تبرجهن في الصباح الباكر ومنازلهن مرتبة كالمتاحف العالمية الباردة والفاخرة رغم وجود أطفال صغار، وأشخاص يافعون في مقتبل العمر يحققون نجاحات مالية ومظهرية خارقة دون أدنى تعب أو جهد ملموس على أرض الواقع. هذا التدفق البصري المستمر واليومي يخلق وعياً زائفاً لدى المشاهد، ويوهمه بأن هذه الهوامش الاستعراضية المصنوعة هي الأصل والنمط الطبيعي للبشر، وأن حياته العادية البسيطة بصراعاتها وتحدياتها هي الخطأ الذي يجب الخجل منه.كأخصائية نفسية إكلينيكية متخصصة في الإرشاد الأسري، لا أرى هذه المظاهر الرقمية كصور عابرة أو تسلية رقمية غير مؤذية، بل أرى يومياً آثارها الكارثية ونتاجها المشوه، وما يدور خلف كواليسها المظلمة داخل عيادتي وفي جلسات الاستماع؛ أرى زوجات يشعرن بالتعاسة الشديدة، والرفض الداخلي لحياتهن لأن أزواجهن لا يشبهون “مشاهير المنصات” في رومتانسيتهم المصطنعة أو قدراتهم المادية، وأرى أزواجاً يعانون من العجز المرضي، والضغط العصبي الشديد، والاضطراب النفسي جراء محاولاتهم المستميتة واليائسة لمجاراة نمط حياة وهمي يفوق طاقاتهم المادية والجسدية لمجرد إرضاء الشريكة، كما أرى أمهات يجلدن ذواتهن بقسوة كل ليلة لشعورهن بالتقصير التربوي والمظهري مقارنة بـ “الأمهات المثاليات” على إنستغرام وتيك توك. الحقيقة الصادمة والوحيدة التي يتناساها الجميع تحت تأثير هذا السحر الرقمي، هي أننا نقارن كواليس حياتنا الحقيقية، وصراعاتنا اليومية الطبيعية، ولحظات تعبنا الإنساني، بإعلان دعائي تجاري منتقى، ومصنوع بعناية فائقة، وتمت إعادت تصويره عشرات المرات، لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة لحياة الآخرين.هذا الهوس المرضي بالكمال والمثالية يتجاوز تدمير العلاقة بين الزوجين، ليمتد بالطبع ويدمر براءة الطفولة، والنمو اللغوي والسلوكي للأبناء. تقع الأمهات اليوم في فخ المقارنة الشرسة التي لا ترحم: “لماذا يتحدث ابن فلانة بلغات متعددة وهو في الرابعة، ويمارس الرياضة، ويعزف الموسيقى، بينما طفلي يعاني، أو يتلعثم، أو يفضل الصمت؟”. وهنا تكمن الخطورة الكبرى والنقطة الحرجة؛ فالضغط النفسي الهائل، والتوتر العصبي المستمر الذي تمارسه الأم المستهلكة رقمياً على طفلها الصغير ليصبح نسخة مثالية “خارقة” تتباهى بها أمام مجتمعها الافتراضي وتجمع من خلاله علامات الإعجاب، يؤدي لنتائج عكسية مدمرة تماماً لشخصية الطفل وصحته العقلية.ومن واقع تخصصي الدقيق والعملي في أمراض التخاطب وعلاج اضطرابات النطق، أؤكد بيقين علمي واكلينيكي راسخ، أن التوتر الأسري، وغياب الأمان النفسي، والمقارنات المستمرة مع الآخرين، هي من أكبر المسببات المباشرة لاضطرابات النطق، والتأتأة المفاجئة، والانطواء النفسي الحاد، والخرس الاختياري لدى الأطفال في مراحل النمو الأولى. الطفل في حقيقة الأمر لا يحتاج إلى “أم خارقة” لا تخطئ، ولا يحتاج إلى منزل هادئ كالمتاحف وخالٍ من الفوضى والحركة، بل يحتاج وبشدة وبشكل مصيري إلى أم “متزنة نفسياً” وهادئة، تمنحه الأمان المطلق، والقبول غير المشروط لعيوبه، وفوضويته، وقدراته الطبيعية الفردية، وتمنحه حواراً حقيقياً دافئاً بدلاً من شاشات الأجهزة الصامتة التي تسرق عقول الصغار وتصيبهم بعزلة لغوية واجتماعية خطيرة.إن مواجهة هذا الطوفان الجارف من الزيف الرقمي، والسطحية، والاستعراض، لا تتطلب منا إغلاق الهواتف بشكل نهائي، أو إعلان الحرب على التكنولوجيا، أو العيش في معزل عن العصر الحالي، بل تتطلب أمراً أكثر عمقاً: وهو تفعيل الذكاء العاطفي، وإعادة بناء الوعي النفسي الجمعي لحماية عقولنا وعقول أبنائنا من الاختراق. يجب أن ندرك بعقول واعية وناقدة أن تلك الشاشات لا تعرض الحقيقة بل تعرض لقطات تجارية، وتسويقية، ومنتجات بصرية مدفوعة بالبحث عن الشهرة، أو جمع المتابعين، أو التربح المالي السريع. أما المشاكل اليومية، واللحظات الصعبة، والضعف الإنساني، والمرض، والتعثر المالي، والخلافات العابرة، فهي المكونات الطبيعية والصحية للحياة البشرية الحقيقية، والتي يشترك فيها جميع البشر بلا استثناء خلف الأبواب المغلقة، مهما بلغت ثرواتهم، أو زادت شهرتهم، أو بدت صورهم مثالية على الشاشات.ولكي نعيد لبيوتنا العربية دفأها الأصيل، وحصانتها النفسية المفقودة، ويقينها الداخلي، نحتاج فوراً وبشجاعة لتطبيق ثلاث قواعد ذهبية عملية في حياتنا اليومية:أولاً: الصيام الرقمي الدوري (Digital Detoxing)، من خلال تدريب أنفسنا وأسرنا على العيش بشكل كامل بدون متابعة تفاصيل حياة الآخرين وتطفلنا على خصوصياتهم لعدة أيام محددة شهرياً، والالتفات لحياتنا الخاصة.ثانياً: التركيز الكامل والواعي على النعم المتاحة في حياتنا والامتنان لها، وتثمين التفاصيل الصغيرة الجميلة في عائلاتنا بدلاً من الركض اللاهث والمستمر خلف السراب اللامع والمضلل على الشاشات.ثالثاً: التصالح الكامل والواعي مع النقص الإنساني الطبيعي؛ فالمنزل الفوضوي قليلاً بوجود أطفال يلعبون ويضحكون، والميزانية المتوسطة التي تدار بحكمة وتفاهم ورضا، والوجوه المتعبة من كفاح العمل الحقيقي، هي حياة حقيقية، حية، نابضة، ودافئة، وأجمل بآلاف المرات من صورة مثالية باردة، مصطنعة، وميتة على منصات التواصل الاجتماعي.أعود اليوم عبر هذا المقال لأقول لكم بيقين المعالجة النفسية والأم والأخت: إن البيوت الحقيقية المستقرة تُبنى بالستر، والمودة، والرحمة، والقبول، لا بالاستعراض، والمظاهر، والمقارنات الزائفة. لا تسمحوا لزر إعجاب افتراضي، أو لفيديو مفبرك أو مجتزأ من سياقه، أن يسرق منكم الرضا عن حياتكم، وعن شركاء كفاحكم، وعن عائلاتكم. إن عودتنا للنشر والكتابة هي دعوة صادقة وجريئة لنكسر معاً تلك المرايا المشوهة والمزيفة، ونستمتع بحياتنا الواقعية الحقيقية كما هي.. دافئة، طبيعية، عميقة، وجميلة بنقصها الإنساني البديع.





