الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

الحكمة… الشيء الذي سماه الله «خيرًا كثيرًا»

الحكمة… الشيء الذي سماه الله «خيرًا كثيرًا»

بقلم / نعمة حسن

لماذا لم يقل الله إن من أوتي المال أو القوة أو حتى العلم فقد أوتي خيرًا كثيرًا… ثم قالها عن الحكمة؟

هناك كلمة في القرآن نمر عليها كثيرًا وكأن معناها معروف وانتهى.
الحكمة.
نقول فلان حكيم لأنه هادئ.
ونقول فلان حكيم لأنه صاحب خبرة.
ونصف قرارًا بالحكمة لأنه لم يسبب مشكلة.
لكن عندما تجمع المواضع التي ذكر الله فيها الحكمة في القرآن، تكتشف أنك أمام شيء أكبر بكثير من الذكاء والخبرة وحسن التصرف.
بل أمام منظومة كاملة لصناعة الإنسان الذي يعرف الحق ويضعه في موضعه الصحيح ويعرف متى يقول ومتى يسكت ومتى يقدم ومتى يؤخر ومتى يلين ومتى يحسم.
ولعل أعجب ما قيل فيها قول الله تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
البقرة: ٢٦٩
توقف.
لم يقل:
من يؤت مالًا فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
ولا من يؤت سلطانًا.
ولا من يؤت شهرة.
بل قال عن الحكمة:
﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
فما هذا الشيء الذي إذا دخل حياة الإنسان سمّاه الله «خيرًا كثيرًا»؟
البداية مخبأة في أصل الكلمة
من أعمق ما قاله علماء العربية في أصل مادة «ح ك م» أنها ترجع إلى معنى المنع.
فالحكم يمنع الظلم.
وإحكام الشيء يمنعه من الفساد والاضطراب.
وكان العرب يسمون ما يُجعل في فم الدابة ليضبط اتجاهها حَكَمَة الدابة؛ لأنها تمنعها من الانفلات.
وهنا يفتح أصل الكلمة بابًا مذهلًا لفهم الحكمة.
الحكمة ليست فقط أن تعرف ماذا تفعل.
إنها أيضًا القوة التي تمنعك من فعل الشيء في غير موضعه.
قد تعرف كثيرًا ولا تكون حكيمًا.
قد تكون شديد الذكاء ولا تكون حكيمًا.
وقد تحفظ مئات الكتب ثم يفسدك الغضب في دقيقة.
فالعلم يعطيك المعلومة.
أما الحكمة فتضع للمعلومة زمامًا.
تقول لها:
هنا مكانك.
الآن وقتك.
بهذه الطريقة تُقالين.
ولهذا ليست الحكمة مجرد زيادة في المعرفة.
إنها إحكام للمعرفة.
وربما لهذا قال الله: ﴿الكتاب والحكمة﴾
من أكثر التركيبات تكرارًا في القرآن:
الكتاب والحكمة.
دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾
ثم قال الله عن بعثة النبي ﷺ:
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
وقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ… وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
وقال في سورة الجمعة:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
هذا التكرار ليس عابرًا.
وقد فسر العلماء الحكمة في هذه المواضع بعدة معانٍ متقاربة، ومن أشهرها السنة والفقه في الدين وفهم الكتاب والإصابة في القول والعمل.
لكن التدبر في اقتران الكلمتين يفتح سؤالًا مهمًا:
لماذا يحتاج الإنسان إلى الكتاب والحكمة؟
لأن امتلاك النص وحده لا يعني حسن تنزيله على الواقع.
يمكن أن تمتلك قاعدة صحيحة…
وتستخدمها بطريقة خاطئة.
يمكن أن تقول حقًا…
في توقيت يهدم أكثر مما يصلح.
يمكن أن تواجه من يحتاج إلى الرحمة بالشدة.
وترحم من يحتاج إلى الحزم حتى تضيعه.
الحكمة هي التي تجعل الحق يصل إلى موضعه بقدره ووقته وطريقته.
فالكتاب يعطيك الميزان.
والحكمة تعلمك كيف تزن.
وهذا يفسر شيئًا عجيبًا: لماذا ليس كل عالم حكيمًا؟
قد تجد إنسانًا كثير المعلومات لكنه يفسد كل مجلس يدخل فيه.
يعرف الحكم، ولكنه لا يعرف النفس التي أمامه.
يعرف الإجابة، لكنه لا يعرف هل هذا وقتها.
يعرف الخطأ، لكنه لا يعرف كيف يصححه.
ويستطيع أن ينتصر في الجدال ويخسر الإنسان.
وهنا يظهر الفرق بين العلم والحكمة.
العلم يسأل:
ما الصحيح؟
أما الحكمة فتضيف:
ما الصحيح هنا؟
ومع هذا الشخص؟
وفي هذا الوقت؟
وبأي قدر؟
وبأي لغة؟
وما النتيجة التي ستترتب؟
ولهذا فليس كل صواب يقال في كل وقت.
وليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله بالطريقة نفسها لكل إنسان.
وهذه ليست مداهنة.
هذه هندسة للحق حتى يصل ولا يتحول بسبب سوء عرضه إلى فتنة.
ثم يأتي لقمان… وهنا تتغير الصورة تمامًا
قال الله:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾
لقمان: ١٢
هنا وقفة مذهلة.
أول ما خرج من الحكمة في قصة لقمان لم يكن فلسفة.
ولم يكن كلامًا معقدًا.
كان:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾.
كأن أول علامة في العقل الحكيم أن يرى النعمة وينسبها إلى صاحبها.
لأن الجاهل قد يمتلك الكثير ولا يرى شيئًا.
والحكيم قد يمتلك القليل فيرى خلفه المنعم.
ثم انظر ماذا فعل لقمان بهذه الحكمة.

لم يحتفظ بها لنفسه.
حوّلها إلى منهج تربية كامل.
قال لابنه:
﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
بدأ بالعقيدة.
ثم:
﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ… يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
فبنى الرقابة الداخلية.
ثم:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾
فبنى العبادة.
ثم:
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
فبنى المسؤولية الاجتماعية.
ثم:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾
لأنه يعرف أن من يحمل الحق سيدفع ثمنًا.
ثم:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾
فدخل إلى الأخلاق.
ثم:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾
فضبط الأنا.
ثم:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾
حتى طريقة المشي دخلت في التربية.
ثم:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾
حتى مستوى الصوت.
هذه هي الحكمة حين تتحول إلى حياة.
من التوحيد…
إلى الضمير…
إلى الصلاة…
إلى المجتمع…
إلى الصبر…
إلى طريقة المشي…
إلى نبرة الصوت.
أي أنها لا تفصل المقدس عن اليومي.
الحكمة تدخل معك حتى في خطوات قدميك.
والحكمة لا تعني الضعف… انظر إلى داود
قال تعالى:
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾
ملك.
وحكمة.
وعلم.
ثلاثة أشياء اجتمعت.
والترتيب يستحق النظر.
لأن القوة إذا انفصلت عن الحكمة تتحول إلى بطش.
والعلم إذا انفصل عن الحكمة قد يتحول إلى وسيلة للفساد.
والسلطان إن لم تحكمه الحكمة قد يهدم صاحبه والناس معه.
لكن داود أُعطي:
الملك والحكمة والتعليم.
ثم قال الله عنه في موضع آخر:
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾
ص: ٢٠
وهنا دخل عنصر آخر:
فصل الخطاب.
أي القدرة على البيان والفصل والقضاء وإصابة وجه الأمر.
فالحكيم ليس مرتبكًا أمام الحقائق.
الحكمة تمنح العقل القدرة على تمييز الخطوط حين تختلط.
والأغرب أن الحكمة لم تُحصر في الأنبياء
وهذه نقطة دقيقة جدًا.
القرآن ذكر الحكمة مع الأنبياء بلا شك.
مع داود.
ومع عيسى:
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾
ومع آل إبراهيم.
ومع النبي محمد ﷺ.
لكن القرآن قال أيضًا:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾
ثم أعطانا مثال لقمان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
ولم يثبت القرآن للُقمان نبوة.
وهنا تتسع الدائرة.
النبوة اصطفاء مخصوص انتهى بخاتم الأنبياء ﷺ.
أما الحكمة فباب من عطاء الله يمكن أن يؤتيه من يشاء.
ولذلك يستطيع إنسان عادي أن يكون له نصيب عظيم من الحكمة.
فما الطريق إليها؟
هذه النقطة هي الأهم.
لو كانت الحكمة مجرد ذكاء فالأذكى هو الأحكم.
لكن الواقع يهدم هذا.
ولو كانت مجرد عمر لكان كل كبير في السن حكيمًا.
وهذا غير صحيح.
ولو كانت شهادة لكان أصحاب أعلى الدرجات أكثر الناس حكمة.
والواقع لا يقول ذلك أيضًا.
إذن ما الذي تصنع منه الحكمة؟
عند جمع إشارات القرآن نرى عناصر تتكرر حولها:
علم.
عقل.
تزكية.
تقوى.
شكر.
نظر في العواقب.
ضبط للنفس.
وضع للأشياء في مواضعها.
وهنا نفهم لماذا ختم الله آية الحكمة بقوله:
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
اللب ليس مجرد عقل.
اللب هو خالص العقل.
فقد يكون للإنسان عقل، لكن تغطيه الشهوة.
أو الغضب.
أو الكبر.
أو الحسد.
أو المصلحة.
فيعرف الحقيقة ثم لا يراها كما ينبغي.
الحكمة تحتاج إلى عقل تحرر قدر الإمكان من سلطان الهوى.
وهنا تظهر أخطر عداوة للحكمة: الهوى
ربما تعرف أن القرار خاطئ.
ولكنك غاضب.
فتفعله.
تعرف أن هذه الكلمة ستكسر شخصًا.
لكن كبرياءك يريد الانتصار.
فتقولها.
تعرف أن الاعتذار هو الصواب.
لكن نفسك ترفض.
تعرف أن ابنك يحتاج إلى احتضان لا إلى محاضرة.
لكن انفعالك يغلبك.
المعلومة موجودة.
إذن أين المشكلة؟
الحكمة غائبة.
وهذا يكشف أن الحكمة ليست عملية عقلية فقط.
إنها أيضًا انتصار داخلي على النفس في اللحظة التي تريد فيها النفس أن تقودك عكس ما تعرف أنه حق.
ولهذا جاء الأمر بالدعوة «بالحكمة»
قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
النحل: ١٢٥
لاحظ شيئًا بالغ الدقة.
الغاية صحيحة:
سبيل ربك.
ومع ذلك لم يقل:
ما دامت الغاية صحيحة فاستخدم أي طريقة.
بل ضبط الوسيلة أيضًا:
بالحكمة.
والموعظة الحسنة.
والجدال بالتي هي أحسن.
وهذه آية ينبغي أن تُكتب أمام كل من يتصور أنه ما دام يدافع عن الدين فقد أصبح الغضب والغلظة والإهانة مباحة له.
يمكن أن تحمل حقًا…
وتدافع عنه بغير حكمة…
فتصد الناس عنه.
يمكن أن تنتصر في مناظرة…
وتخسر قلب إنسان.
الحكمة لا تغير الحق لكي ترضي الناس.
لكنها تختار أنسب طريق لإيصال الحق إلى الناس.

إذن الحكمة ليست أن تكون لطيفًا دائمًا
وهذه أيضًا فكرة خاطئة.
بعض الناس يظن الحكيم هو الشخص الذي لا يغضب ولا يواجه ولا يقول «لا».
ليس صحيحًا.
قد تكون الحكمة في الصمت.
وقد تكون في الكلام.
وقد تكون في الصفح.
وقد تكون في العقوبة.
وقد تكون في الانتظار.
وقد تكون في القرار الفوري.
وقد يكون إعطاء المال حكمة.
وقد يكون منعه هو الحكمة.
فالحكمة ليست سلوكًا ثابتًا.
الحكمة هي إصابة السلوك الصحيح في الظرف الصحيح.
ولهذا هي صعبة.
لأن الحياة لا تقدم لنا دائمًا نسخًا متطابقة من المواقف.
وربما هنا نفهم لماذا جاء وصف القرآن نفسه بالحكمة
قال تعالى:
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾
القمر: ٥
وفسر عدد من المفسرين «حكمة بالغة» هنا بالقرآن وما جاءهم من الأنباء والمواعظ البالغة غايتها.
تأمل وصف:
بالغة.
حكمة بلغت الغاية.
فالقرآن لا يعطيك حقائق متناثرة.
إنما يبني داخلك ميزانًا.
يعلمك كيف تنظر إلى المال.
والقوة.
والضعف.
والنفس.
والموت.
والحياة.
والعدل.
والظلم.
والخير.
والشر.
والتاريخ.
والكون.
والإنسان.
ولهذا قد يقرأ شخص القرآن بحثًا عن حكم واحد…
بينما القرآن يريد أن يصنع منه إنسانًا صاحب ميزان.
والأشد إدهاشًا: أن الله سمّى بعض الوحي نفسه «حكمة»
بعد سلسلة طويلة من الأوامر والنواهي في سورة الإسراء قال تعالى:
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾
الإسراء: ٣٩
ما الذي سبق هذه الآية؟
ألا تجعل مع الله إلهًا آخر.
الإحسان إلى الوالدين.
إعطاء ذي القربى والمسكين.
النهي عن التبذير.
الاعتدال في الإنفاق.
النهي عن قتل الأولاد.
النهي عن الزنا.
النهي عن قتل النفس.
حفظ مال اليتيم.
الوفاء بالعهد.
إيفاء الكيل والميزان.
ألا تتبع ما ليس لك به علم.
وألا تمش في الأرض مرحًا.
ثم قال:
﴿ذَلِكَ… مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.
وهنا تسقط فكرة أن الحكمة مجرد كلمات جميلة يقولها كبار السن.
الحكمة في القرآن تتحول إلى:
عقيدة.
وأسرة.
واقتصاد.
وأخلاق.
ومعرفة.
وعدالة.
وضبط للشهوة.
وضبط للمال.
وضبط للسان.
وضبط للأنا.
الحكمة نظام حياة.
حتى عيسى قال: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾
قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
﴿قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾
الزخرف: ٦٣
وهنا تظهر وظيفة أخرى للحكمة:
إزالة الالتباس عند الاختلاف.
فالاختلاف يخلط الأشياء.
والهوى يزيد الخلط.
والتعصب يجعل الإنسان يرى نصف الحقيقة.
فتأتي الحكمة لتضع الحدود مرة أخرى:
هذا حق.
وهذا باطل.
هذا أصل.
وهذا فرع.
هذا قطعي.
وهذا محتمل.
هذا موضع اتفاق.
وهذا موضع اجتهاد.
الحكمة لا تزيد الضباب.
الحكمة تفرز.
وربما لهذا يضيع الناس حين تضيع الحكمة
مشكلتنا اليوم ليست دائمًا نقص المعلومات.
نحن نعيش في عصر ربما يملك فيه الفرد العادي معلومات لم تكن متاحة لملوك قبل قرون.
هاتف واحد يعطيك آلاف الكتب والمحاضرات والآراء.
ومع ذلك ازداد الارتباك.
لماذا؟
لأن وفرة المعلومات ليست حكمة.
بل قد تزيد الجهل اضطرابًا إذا لم يكن لديك ميزان تفرز به.
أصبح الإنسان يعرف «أشياء كثيرة»…
ولا يعرف ماذا يفعل بها.
يعرف الأخبار ولا يعرف الحقيقة.
يعرف آراء الجميع ولا يعرف رأيه.
يعرف ألف معلومة عن التربية لكنه لا يعرف متى يحتضن ابنه.
يعرف ألف مقولة عن العلاقات ولا يعرف متى يسامح ومتى يرحل.
يعرف عشرات الأحكام ولا يعرف كيف يجمع بينها في موقف واحد.
**المعلومة تضخمت.
والحكمة لم تتضخم معها.**
وهذه مأساة العصر.
والذكاء الاصطناعي يجعل السؤال أخطر
اليوم تستطيع الآلة أن تجمع معلومات في ثوان.
وتكتب.
وتحلل.
وتقارن.
وتقترح.
ومع تطور التقنية ستصبح المعرفة الخام أرخص وأسهل.
فماذا سيبقى أثمن في الإنسان؟
ربما بالضبط ما سماه القرآن:
الحكمة.
لأن السؤال لن يكون فقط:
هل تعرف؟
بل:
ماذا تفعل بما تعرف؟
ما الذي تصدقه؟
ما الذي ترفضه؟
أي معرفة تستخدم؟
ولأي غاية؟
وما العاقبة؟
وهنا يظهر الفارق بين امتلاك المعرفة وبين استحقاقها أخلاقيًا.
لماذا إذن «خيرًا كثيرًا»؟
الآن يمكن أن نفهم بعض السر.
لأن الحكمة إذا دخلت المال حفظته.
وإذا دخلت العلم نفع.
وإذا دخلت السلطة عدلت.
وإذا دخلت التربية أصلحت.
وإذا دخلت الزواج حفظ المودة.
وإذا دخلت الخلاف منعت الظلم.
وإذا دخلت الدعوة قربت القلوب.
وإذا دخلت الغضب ضبطته.
وإذا دخلت النجاح منعت صاحبه من الكبر.
وإذا دخلت المصيبة علمته كيف يرى ما وراء الألم.
الحكمة لا تضيف نعمة واحدة إلى حياتك.
الحكمة تحسن استخدام جميع النعم التي لديك.
ولهذا ربما كان وصفها:
﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾
أدق مما نتصور.
لأنها لا تعطيك شيئًا واحدًا.

بل تجعل أشياء كثيرة عندك خيرًا.
لكن بقي السؤال الأصعب
إذا كانت الحكمة بهذه القيمة…
فلماذا قال الله:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾؟
لم يقل إن الإنسان يشتريها.
ولا يرثها.
ولا تأتِ تلقائيًا مع العمر.
هي عطاء.
لكن عطاء الله لا يعني أن تجلس منتظرًا.
فالقرآن نفسه يأمرك بالنظر.
والتعقل.
والتدبر.
والتعلم.
والتقوى.
والتزكية.
والشكر.
وكأنك تهيئ داخلك المكان الذي يصلح لنزول هذا العطاء.
تتعلم…
ثم تعرف أن العلم وحده لا يكفي.
تراقب نفسك…
وتختبر نيتك…
وتنظر في العواقب…
وتتعلم من أخطائك…
ولا تجعل كبرياءك أكبر من الحقيقة…
وتسأل الله أن يبصرك بالصواب.
وربما الحكمة في أبسط تعريف يمكن أن نصل إليه هي هذا:
أن ترى الشيء كما هو لا كما يريد هواك أن تراه.
ثم:
أن تعرف موضعه.
ثم:
أن تختار له الكلمة والفعل والوقت والقدر الذي يليق به.
فإذا امتلكت معرفة بلا ذلك كنت عالمًا بشيء.
أما إذا عرفت الحق وعرفت موضعه وعرفت كيف تعمل به…
فهنا تبدأ الحكمة.
وهنا نفهم لماذا ارتبط أصل الكلمة بالمنع والإحكام.
لأن الحكيم ليس فقط من يعرف طريق الخير.
بل من يملك في داخله زمامًا يمنعه حين يريد الهوى أن يجره إلى الطريق الآخر.
والآن اقرأ الآية مرة أخرى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
ربما كنا ندعو طويلًا:
يا رب ارزقني مالًا.
وارزقني نجاحًا.
وارزقني قوة.
وارزقني علمًا.
لكن هناك دعاءً آخر ربما نحتاج إليه أكثر:
اللهم ارزقنا الحكمة.
لأن المال بلا حكمة قد يهلكنا.
والقوة بلا حكمة قد تفسدنا.
والعلم بلا حكمة قد يجعل غرورنا أكبر من معرفتنا.
أما الحكمة…
فهي التي تعلمنا ماذا نفعل بكل ما أعطانا الله.
ولهذا لم يسمها سبحانه خيرًا فقط.
بل قال:
﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
ومن أهم ما ينبغي الاحتفاظ به منهجيًا أن المفسرين لم يحصروا «الحكمة» في معنى واحد في جميع المواضع؛ ففي البقرة ٢٦٩ نُقلت معانٍ منها الفقه في القرآن والإصابة في القول والفعل والعقل في الدين .
اللهم ارزقنا الحكمة .
مع تحياتي ..
نعمه حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى