أخبارالأسبوع العربي

ثلاثةُ حلفاءَ يصنعون توازناً جديداً للمنطقة

ثلاثةُ حلفاءَ يصنعون توازناً جديداً للمنطقة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

يشهد الشرق الأوسط والعالم الإسلامى لحظةً سياسيةً لافتة. تفرض على المتابع أن ينظر إلى المشهد الإقليمى بعينٍ أكثر اتساعاً. فالعالم يتغير بسرعة. وموازين القوة لا تُبنى بالسلاح وحده. وإنما تقوم أيضاً على الإقتصاد. والتكنولوجيا. والدبلوماسية. والثقة المتبادلة بين الدول.

مقالات ذات صلة

وفى هذا السياق. جاءت الخطوة التى جمعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان فى إتفاق دفاعى مشترك. أُعلن توقيعه اليوم فى مكة المكرمة. فى مشهد يحمل دلالةً سياسيةً وإستراتيجيةً كبيرة. وقد أكدت الأطراف أن الإتفاق ذو طبيعة دفاعية. ويهدف إلى تعزيز الأمن والتعاون والردع المشترك. بما يدعم الإستقرار الإقليمى ولا يستهدف طرفاً بعينه.

وتبدو أهمية هذا الإتفاق فى أن الدول الثلاث لا تمثل إتجاهاً واحداً من القوة. بل تجمع بين مقومات مختلفة يمكن أن تتكامل فى إطار التعاون. فتركيا تمتلك خبرةً عسكريةً وصناعيةً متقدمة. وتطورت صناعاتها الدفاعية خلال السنوات الماضية بصورة جعلتها حاضرةً بقوة فى سوق التكنولوجيا العسكرية. كما إستطاعت أن تبنى لنفسها حضوراً مؤثراً فى مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات الجوية والبحرية. إلى جانب إمتلاكها خبرةً طويلة في التعامل مع الملفات الأمنية والإقليمية.

أما باكستان. فتملك تجربةً عسكريةً عميقة. ومؤسسات دفاعية ذات خبرة واسعة. إلى جانب موقع جغرافى بالغ الأهمية يربط بين جنوب آسيا والعالم الإسلامى. وقد أثبتت العلاقات السعودية الباكستانية. عبر عقود طويلة. قدرة البلدين على بناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الدفاعى والتقارب التاريخى. وكان توقيع إتفاق الدفاع الإستراتيجى المتبادل بين الرياض وإسلام آباد فى سبتمبر 2025 خطوةً مهمة في تطوير هذه العلاقة. حيث نص الإتفاق على إعتبار أى عدوان على إحدى الدولتين عدواناً على الأخرى.

ثم تأتى المملكة العربية السعودية بثقلها السياسى والإقتصادى والدينى الكبير. فالسعودية ليست دولةً مؤثرةً فى محيطها العربى والإسلامى فحسب. وإنما أصبحت لاعباً إقتصادياً وسياسياً له حضوره فى القضايا الإقليمية والدولية. وتمتلك الرياض قدرةً واسعة على التحرك الدبلوماسى. وبناء الشراكات. وجمع الأطراف المختلفة حول طاولة الحوار. وهو ما يمنحها دوراً مهماً فى أى ترتيبات تستهدف تعزيز الأمن والإستقرار.

وتزداد خصوصية الدور السعودى بحكم المكانة الدينية الفريدة للمملكة. التى تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتستقبل ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم. وهذه المكانة لا تعنى تفوقاً على الآخرين. وإنما تمنح السعودية مسؤوليةً معنويةً كبيرة تجاه قضايا الأمن والإستقرار والتعاون بين الدول الإسلامية.

ومن هنا يمكن النظر إلى الإتفاق الثلاثى باعتباره محاولةً لبناء مساحة جديدة من التعاون بين ثلاث دول تمتلك كل واحدة منها عناصر مختلفة من القوة. تركيا تقدم الخبرة الصناعية والتكنولوجية والعسكرية. وباكستان تقدم خبرةً عسكريةً وإستراتيجيةً واسعة. والسعودية تقدم ثقلها الإقتصادى والسياسى والدبلوماسى ومكانتها المركزية فى العالم الإسلامى.

والأهم من كل ذلك أن قوة أى إتفاق دفاعى لا تُقاس بعدد الطائرات أو القطع البحرية أو حجم الإنفاق العسكري فقط. القوة الحقيقية تظهر فى قدرة الدول على تحويل إختلاف إمكاناتها إلى تعاون منظم. وتبادل الخبرات، وتطوير التكنولوجيا. وتنسيق المواقف. ومنع الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.

إن السعودية وتركيا وباكستان أمام فرصة مهمة لتقديم نموذج مختلف للعلاقات بين الدول الإسلامية. نموذج لا يقوم على العداء للآخر. ولا على البحث عن مواجهة جديدة. وإنما على حماية المصالح الوطنية. وتعزيز الإستقرار. وإحترام سيادة الدول. وفتح أبواب التعاون أمام الإقتصاد والتكنولوجيا والتنمية.

والرياض فى هذا المشهد تستطيع أن تلعب دوراً محورياً بحكم ثقلها السياسى والإقتصادى. وأنقرة تمتلك تجربةً واسعة فى الصناعات والتكنولوجيا والدبلوماسية الإقليمية. وإسلام آباد تمتلك خبرةً عسكريةً وإستراتيجيةً مهمة. وإذا جرى توظيف هذه العناصر فى إطار مؤسسى متوازن. فقد تتحول الشراكة من إتفاق دفاعى إلى مساحة أوسع للتعاون الإقتصادى والعلمى والتقنى.

إن العالم الإسلامى لا يحتاج إلى مزيد من ساحات الصراع بقدر ما يحتاج إلى دول قوية تعرف كيف تحمى مصالحها دون أن تجعل القوة طريقاً دائماً إلى المواجهة. ويظل الإستقرار هو الإنجاز الأكبر الذى يمكن أن تحققه أى شراكة سياسية أو دفاعية.

ولذلك فإن القيمة الأهم لهذا الاتفاق ليست في الصورة التي التُقطت يوم التوقيع. ولا فى العبارات التى قيلت فى لحظة الإعلان. وإنما فى ما يمكن أن يأتى بعد ذلك. فإذا نجحت الدول الثلاث فى تحويل الإتفاق إلى تعاون مؤسسى. وتبادل للخبرات، وشراكات إقتصادية وتقنية. فقد يصبح هذا التعاون نموذجاً جديراً بالدراسة فى العلاقات الدولية.

وفى زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة. تبدو السعودية وتركيا وباكستان أمام مسؤولية كبيرة فى أن تجعل من قوتها وسيلةً للسلام والإستقرار. لا سبباً لمزيد من التوتر. فالدول الكبيرة لا تُقاس فقط بقدرتها على الردع. وإنما أيضاً بقدرتها على صناعة التوازن. وفتح أبواب الحوار. وحماية مصالح شعوبها. والمساهمة فى بناء مستقبل أكثر أمناً وإستقراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى