الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

هذه قسمتهُ ……..

هذه قسمتهُ ..

بقلم / نعمة حسن
لماذا لا نشعر بالرضا؟
ما أكثر الناس الذين يظنون أن مشكلتهم في قلة المال، أو ضيق الرزق، أو تأخر الفرص، أو كثرة الابتلاءات…
لكن الحقيقة أكثر قسوة من ذلك.
إن كثيرًا من الناس لا يعانون من نقص النعم…
بل يعانون من فقدان الرضا.
والفرق بينهما شاسع.
فقد ينقصك المال وتبقى سعيدًا.
وقد تمتلك الدنيا كلها، ثم تعيش فقير القلب.
لأن الفقر الحقيقي ليس أن تخلو اليد…
بل أن يمتلئ القلب بالاعتراض.
لو سألت ألف إنسان:
“هل تؤمن بعدل الله؟”
لأجابك الجميع دون تردد:
“نعم.”
لكن السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على مواجهته هو:
إذا كنت تؤمن بعدل الله… فلماذا تغضب كلما رأيت نعمة عند غيرك؟
أليس غضبك الخفي يعني أنك ترى أن القسمة كان ينبغي أن تكون مختلفة؟
أليست الحسرة التي تسكن قلبك كلما رأيت نجاح غيرك، أو رزقه، أو مكانته، أو نعمته، هي في حقيقتها اعتراض صامت على توزيع لم تكن أنت من وزعه؟
قد لا تنطق بذلك…
لكن القلب أحيانًا يقول ما لا يجرؤ اللسان على قوله.
لقد وضع القرآن القضية في جملة واحدة لا تحتمل التأويل:
﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾.
لم يقل: اجتهدوا ثم اقسموا.
ولم يقل: الناس هم الذين يوزعون الأرزاق.
بل نسب القسمة إلى نفسه سبحانه.
ثم جاءت الآية الأخرى لتغلق باب الاعتراض كله:
﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾.
فالاختيار ليس إليك…
والقسمة ليست إليك…
والتقدير ليس إليك…
فلماذا تعيش عمرك كله تنازع ربك فيما لم يجعله لك أصلًا؟
تأمل حياتك منذ طفولتك.
هل وُلدت غير راضٍ؟
أبدًا…
لقد تعلمت عدم الرضا.
تعلمته حين قال الأب لابنه:
“انظر إلى ابن عمك.”
ولم يقل له يومًا:
“انظر إلى نفسك قبل عام.”
وتعلمته حين قالت الأم لابنتها:
“بنت خالتك أذكى منك.”
“بنت الجيران أجمل.”
“فلانة أكثر نجاحًا.”
وكانت تظن أنها تدفعها إلى الاجتهاد…
بينما كانت تغرس في قلبها أول بذرة للحسد، وأول شعور بالنقص، وأول درس في احتقار الذات.
وهكذا يكبر الطفل…
لكنه لا يعرف كيف يفرح بنفسه.
لأنه لم يتعلم أن يقيس نفسه بنفسه.
بل تعلم أن يقيس عمره كله بالناس.
فإن سبقهم فرح…
وإن سبقوه حزن.
ولو عاش مائة عام، فلن يعرف للرضا طريقًا.
لأن هناك دائمًا من يملك أكثر.
وهنا يرتكب الإنسان أكبر خطأ في حياته.
إنه يظن أن الله أعطى غيره أكثر.
ولا يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
أكثر… في ماذا؟
نحن لا نرى إلا الواجهة.
نرى السيارة…
ولا نرى الديون.
نرى الشهرة…
ولا نرى الوحدة.
نرى الضحكة…
ولا نرى الليالي التي بكى فيها صاحبها حتى جفت دموعه.
نرى الثمرة…
ولا نرى الجذور التي تشققت تحت الأرض.
ولذلك فإن أكثر أحكامنا ظلمًا…
هي الأحكام التي نبنيها على ما نراه.
العجيب أننا لا نتمنى حياة الآخرين.
بل نتمنى الصورة التي اختاروا هم أن يظهروها لنا.
ولو جاءك إنسان وقال:
خذ حياتي كلها…
بنجاحها وفشلها…
بصحتها ومرضها…
بأسرارها وآلامها…
بكل ليلة لم ينم فيها…
وبكل دمعة أخفاها…
لرفضت.
ولعدت إلى حياتك شاكرًا.
لأنك لم تكن تريد حياته…
بل كنت تريد مشهدًا واحدًا منها.
إن عدم الرضا ليس مرضًا في الرزق…
بل مرض في الميزان.
لقد اختل الميزان.
بدل أن تقيس نعمك بما فقدته أمس…
صرت تقيسها بما يملكه غيرك اليوم.
فصار الغني فقيرًا…
وصار الناجح فاشلًا…
وصار الصحيح مريضًا…
لأن ميزان المقارنة لا يشبع أبدًا.
ولذلك كانت أول جريمة عرفها الكون قائمة على المقارنة.
لم يقل إبليس:
أنا أعصي الله.
بل قال:
﴿أنا خير منه﴾.
كلمتان فقط…
لكن منهما خرج الكبر…
ومن الكبر خرج الحسد…
ومن الحسد خرج العصيان.
وكأن القرآن يخبرنا أن أول طريق السقوط يبدأ حين تجعل قيمة نفسك مرهونة بما عند غيرك.
إن الرضا لا يعني أن تتوقف عن السعي.
فالزرع يحتاج إلى يد تعمل.
والعلم يحتاج إلى عقل يجتهد.
والرزق يحتاج إلى أسباب.
لكن الفرق بين المؤمن وغيره…
أن المؤمن يسعى بكل قوته…
ثم يسلّم قلبه لله.
أما غيره…
فيظل يراجع قسمة الله كل ليلة، وكأنه عضو في مجلس توزيع الأرزاق.
ولو علم الإنسان حقيقة الدنيا…
لاستحيا من اعتراضه.
فالله لم يعد أحدًا بحياة متساوية.
بل وعده بعدل كامل.
والعدل ليس أن يأخذ الجميع الشيء نفسه…
فالعدل أن يأخذ كل إنسان ما يناسب امتحانه.
فالطبيب لا يكتب الدواء نفسه لكل المرضى.
والمعلم لا يعطي جميع الطلاب السؤال نفسه.
فكيف ننتظر من رب العالمين أن يجعل اختبارات البشر نسخة واحدة؟
إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه…
أنه يؤجل سعادته حتى يصبح مثل غيره.
وكأنه يقول:
لن أرضى حتى تتغير قسمة الله.
وهذا وعد لن يتحقق أبدًا.
لأن الله لم يخلقك لتعيش نسخة من أحد.

مقالات ذات صلة

ولم يكتب لك رزقًا ثم وضعه في يد غيرك.
ولم ينس اسمك في لوح المقادير.
سيأتي يوم يقف فيه كل إنسان بين يدي الله.
لن يسأله سبحانه:
لماذا لم تكن مثل فلان؟
ولن يقول له:
لماذا لم تملك ما ملكه غيرك؟
بل سيسأله عما أعطاه هو…
كيف استعمله…
وكيف شكره…
وكيف أدى حقه.
وهناك…
سيسقط أكبر وهم عاشه الإنسان.
سيدرك أن سنوات طويلة ضاعت وهو يراقب نصيب غيره، بينما كان نصيبه الحقيقي يمر بجواره كل يوم دون أن يراه.
وحينها فقط…
سيعرف أن الرضا لم يكن فضيلة أخلاقية فحسب…
بل كان أعظم امتحان للإيمان بعدل الله.
فمن رضي، لم يكن لأنه أخذ أكثر من الناس…
بل لأنه وثق أن الله لم يظلمه قط.
وهذه هي الطمأنينة التي لا تُشترى بمال، ولا تُهدى بيد، ولا يمنحها إلا من عرف ربَّه حق المعرفة، فأيقن أن قضاءه عدل، وأن حكمه حق، وأن رحمته أوسع من أمنياتنا، وأن اختيار الله لنا… خيرٌ من اختيارنا لأنفسنا.
فارضى بقسمته فهذا الرضا الذي فيه السعادة .
أسعدكم الله وحفظكم .
مع تحياتي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى