بقلم /طلبه عبدالكريم
الغربة من أجل العيش.. حكاية صامتة
لم يعد السفر بحثًا عن لقمة العيش رفاهية، بل صار قرارًا قاسيًا يفرضه الواقع على ملايين الناس. الغربة هنا ليست سياحة ولا حلمًا مؤجلًا، بل طريقًا مليئًا بالتنازلات، يبدأ بحقيبة صغيرة وينتهي بسنوات تُحسب بالعمر لا بالمال.
المغترب لا يترك وطنه لأنه يريد الرحيل، بل لأنه لم يجد فيه فرصة تكفيه للحياة بكرامة. يبتعد عن أهله، عن دفء البيت، عن تفاصيل بسيطة كانت تمنحه الأمان، ليواجه عالمًا جديدًا لا يرحم من يتأخر أو يضعف.
في الغربة، يعمل الإنسان أكثر مما يتكلم، ويتحمل أكثر مما يشكو. تمر الأيام متشابهة، والحنين يصبح رفيقًا دائمًا، لا ينام ولا يمل. المال الذي يُرسل إلى الوطن يحمل في داخله تعب الساعات الطويلة، وصبر الأيام الصعبة، ووجع الغياب.
ورغم ذلك، لا يسمع المغترب غالبًا سوى عبارة واحدة: «أنت بخير، أنت تعمل وتكسب». كأن الغربة تُقاس بالأرقام فقط، لا بما تتركه في القلب من فراغ، ولا بما تأخذه من العمر دون أن تعتذر.
الغربة من أجل لقمة العيش ليست ضعفًا ولا هروبًا، بل محاولة صامتة للنجاة. هي اختيار اضطراري بين البقاء بلا أمل، أو الرحيل مع الألم. وبين هذا وذاك، يقف المغترب شاهدًا على زمن أصبح فيه العيش الكريم بعيدًا عن الوطن، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.
ختامًا،
تبقى الغربة تجربة قاسية لا يفهمها إلا من عاشها، ولا يقدّر ثمنها الحقيقي إلا من دفعه من عمره وراحته. هي قصة إنسانية تتكرر كل يوم، لأشخاص اختاروا الصمت والعمل بدل الشكوى، على أمل أن يأتي يوم تعود فيه لقمة العيش إلى أوطانها، ويعود الإنسان إلى بيته دون أن يضطر للاعتذار عن غيابه






