
مشاعر الظلم #مشاعر الانتصار
بقلم .مروة فؤاد
بين غصص الظلم وحلاوة الانتصار.. رحلة من الضيق إلى الانشراح
في هذه الحياة، ثمّة مشاعر لا تُكتب بحبر، بل تُكتب بنبضات القلب المرتجفة، ودموع العين الساهرة. فمن منا لم يذق طعم “الظلم”؟ ومن منا لم يحلم بـ “الانتصار”؟ إنهما نقيضان يتصارعان في صدر الإنسان؛ الأول يهبط بالروح إلى قاع المحيط، والثاني يرفعها لتلامس عنان السماء.
ظلمة الظلم.. حين تستوطن الغصةُ الحلق
الظلم ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو جرح ينزف في الخفاء. هو تلك الغصة التي تستقر في الحلق فلا تستطيع ابتلاعها ولا قيئها. هو شعور بالاختناق وأنت ترى الباطل يعلو، والحق يُداس تحت الأقدام. الظلم هو أن تبكي بصمت، وأن تصرخ بلا صوت، وأن تشعر أن العالم بأكمله قد أدار ظهره لك، وأنك وحدك في ساحة المواجهة.
في تلك اللحظات، يحترق الصدر، وتثقل الأقدام، ويسأل القلب المتعب: *أين العدل؟ وأين الرحمة؟*
ولكن، وفي خضم هذا العذاب النفسي، يأتي صوتٌ إلهيٌ دافئ ليحتضن هذا القلب المنكسر، وليخبره أن ظلمه ليس خافياً على من بيده ملكوت كل شيء. يقول الله تعالى في كتابه العزيز، موجهاً كلاماً يبلل كل جرح ويغسل كل دمعة*﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾** [إبراهيم: 42].
يا لها من آيةٍ تُسكّن الثائر في الصدر! إنها تُمسك بيدك وأنت ترتجف من البرد والظلم، لتقول لك: “اصبر، فعدلي قريب، وميزاني لا يخطئ”. إن الظلم مهما طال، هو مجرد سحابة صيف عابرة في سماء الأبدية، والمظلوم في تلك اللحظة لا يملك إلا سلاحاً واحداً؛ دمعته التي تسقط في جوف الليل، والتي لا يوجد بينها وبين الله حجاب.
شروق النصر.. حين يتنفس القلب
ثم.. يأتي الفجر. لا يأتي النصر دائماً كما نتخيل، بل يأتي كما يُقدّره الله؛ فجأة، وبغير ميعاد.
مشاعر الانتصار ليست مجرد فرحة عابرة، بل هي “انشراح” للصدر بعد ضيق، و”نسيم” بارد بعد لهيب، و”حلاوة” تسري في العروق فتُنسيك مرارة السنين.
عندما ينتصر الحق، تشعر وكأنك وُلدت من جديد. تشعر أن كل خلية في جسدك تهلل وتسبح. الانتصار هو أن ترى كلمة الحق تعلو، وأن ترى الظالم وهو يكتوي بنار ظلمه، وأن تدرك أن الله الذي أمهلك في الطريق، هو نفسه الذي أوصلك إلى . تلك الدموع التي كانت تسقط ألماً، تتحول الآن إلى دموع فرح ورضا، تلامس الخد فتترك عليه أثر النور.
وهنا، يتجلى وعد الله الذي لا يتخلف، ويصدع الحق بالباطل فيدمغه. يقول الله تعالى:
*﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾** [الإسراء: 81].
كأنها لوحة فنية رسمها الله لنا؛ الباطل كان زاهقاً (محقوراً وضعيفاً)، وبمجرد أن جاء الحق، تلاشى كأنه لم يكن.
وفي لحظة الانتصار، يدرك المؤمن أن النصر الحقيقي ليس هزيمة الخصم فحسب، بل هو نصر النفس على اليأس، ونصر الإيمان على القنوط. بل ويشعر القلب بلذة لا تُوصف حين يسمع نداء السماء:
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾** [الروم: 4-5].
الخاتمة.. بين الغرس والحصاد
إن لذة الانتصار لا تُقاس إلا بقدر مرارة الظلم الذي سبقه. فكما أن البذرة لا يمكن أن تنشق لتُخرج نبتتها الخضراء إلا بعد أن تُدفن في ظلمة التراب وتُعانق العتمة، كذلك الروح لا تتذوق حلاوة النصر إلا بعد أن تمر بمحنة الظلم.
فإن كنت الآن يا من تقرأ هذه الكلمات، تشعر بغصة الظلم، وتختنق بصمت، وتظن أن السماء لا تسمعك.. فتمهل. خذ نفساً عميقاً، واستودع أمرك لمن لا تضيع عنده الودائع. تذكر أن حلاوة الانتصار تُطهى الآن في كواليس الغيب، وأن الله يُحضّر لك مفأجأة تُبكيك فرحاً، وتمحو بها كل جرح ألم بك.
*﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾** [النمل: 62].
فادعُ، واطمئن، فالنصر قادم، وحلاوته ستُعيد لك روحك التي سرقها الظلم.





