
كائناتٌ على حافةِ الرؤية
بقلم: نعمة حسن
كائناتٌ على حافةِ الرؤية : حين يصنع الخوف اشباحه
في تلك اللحظة التي تسبق النوم بدقائق، أو في غفلةِ ضوءٍ خافتٍ في ركنٍ مهجور، يحدثُ “الخَرقُ”. ليس خرقاً في الجدران، بل خرقٌ في يقينك بالواقع.
تتغير حرارة الغرفة فجأة، وتنتصبُ شعيراتُ جسدك. وفوق صدرك، تشعر بثقلٍ كأنما وضع أحدهم يده على أنفاسك. هناك.. في طرفِ عينك، ظلٌ ليس ككل الظلال؛ هيئةٌ تتشكل، كيانٌ يتربص، ثم ما إن تلتفت لتواجهه، حتى يذوب في الهواء كأن لم يكن.
هل نحن حقاً وحدنا في هذا المكان؟ أم أن هناك “مخلوقاتٍ” تنتظر لحظة انكسار وعينا لتعبر إلى عالمنا؟
هندسةُ الرعب: كيف يبتكرُ العقلُ وحوشَهُ؟
الحقيقة التي نخشى مواجهتها هي أن الإنسان لا يرى العالم بآلات تصوير، بل يراه بمزيجٍ معقد من الذكريات، التوقعات، والحالة النفسية. حين يغلفُ التوترُ عقلَك، يتحول “جهاز الحماية” في دماغك إلى “جهاز صناعة أوهام”.
في الغابات البدائية، كان الدماغ يفضل أن يخطئ ويتوهم وجود نمرٍ في العشب، على أن يغفل عن نمرٍ حقيقيٍ فيقتله. هذا الموروث التطوري لا يزال حياً فينا؛ فحين تظلم الغرفة، لا يرى عقلك ستارةً مهتزة، بل يرى “كياناً”. إنه يصنع لنفسك عدواً، لأن الغموض بالنسبة للعقل البشري، أشد رعباً من المواجهة.
الطاقة.. “مُصطلح” في قفص الاتهام
لقد تحولت كلمة “الطاقة” إلى صندوقٍ سحريٍ نضع فيه كل ما نعجز عن فهمه.
الطاقة السلبية؟ هي في الحقيقة تراكمات القلق.
شخص يسحب طاقتي؟ هو في الحقيقة استنزافٌ نفسي ناتج عن ضعفِ الحدود الشخصية.
ظهور كائنات؟ قد يكون استدعاءً لا شعورياً لمخاوف مدفونة.
الخطر يبدأ حين نحول هذه المصطلحات إلى “حقيقة علمية”، ونبدأ في توجيه أصابع الاتهام للآخرين: “فلان يسحرني”، “فلان يرسل لي كائنات”، “فلان فتح عليّ بوابات الغيب”. وهنا، نتحول من ضحايا لمشاعرنا، إلى أسرى لجنونِ الارتياب.
لماذا يختفي “الكائن” حين تستغفر؟
البعض يظن أن اختفاء المشهد عند ذكر الله هو البرهان القاطع على وجود كائنٍ شيطاني فرّ من القرآن. ولكن، دعونا نغصّ في العمق:
الاستغفار ليس مجرد “كلمة سر” لطرد الأشباح؛ إنه عملية “إعادة ضبط للوعي”.
حين تستغفر، أنت تنتقل بمركز ثقلك من “الخوف والترقب” إلى “اليقين والأمان”. أنت تسحب الوقود من “شاشة الخيال” التي كان خوفك يعرض فوقها أشباحه. اختفاء الظل هنا ليس دليلاً على هروب كائن، بل هو دليل على استعادة توازنك النفسي. لقد أطفأت المولد الذي كان يُغذي هذا الرعب.
متى يصبح “الخوف” ناقوس خطر؟
بين عالم الغيب الذي نؤمن به، وعالم الوهم الذي نصنعه، خيطٌ رفيع. قد نكون في حاجة إلى “مصباحين” لا يفترقان:
مصباح الإيمان: للسكينة والتحصن.
مصباح العلم: لفهم أن الجسد أحياناً ينهار، وأن العقل أحياناً يهذي، وأن الروح قد تضيق من ضغوط الحياة لا من سحرٍ أو طاقة.
استشر طبيباً إذا كان:
الظل يظهر في وضح النهار وبوضوح كامل.
الأصوات تأمرك بإيذاء نفسك أو الآخرين.
أصبح الشك في البشر هو نمط حياتك اليومي.
وهنا اقول لك عزيزي القاريء : لا تمنح الظل جسداً
يا صديقي، إن الذي أمرك بالاستعاذة من الشيطان، هو نفسه الذي أمرك بالتوكل، والأخذ بالأسباب، وعيادة المريض، وعمارة الأرض.
لا تمنح الظل جسداً، ولا تمنح الخوف سلطاناً عليك. فالشيطان لا يملك من القوة إلا ما تمنحه إياه أنت بتركِ عقلك رهينةً للأوهام. استغفر ليعود قلبك، تنفس ليعود وعيك، وافتح الضوء.. ففي كثير من الأحيان، لم يكن هناك “كائن” في الغرفة، كان فقط “خوفاً يبحث عن وجه”.
ما هو أكثر إحساسٍ غامضٍ شعرت به يوماً وفسره عقلك بشكلٍ مفاجئ؟
هذا سؤالي لك جاوبه في نفسك او في تعليق .
الهم ربي قلوبكم السكينة والطمأنينة واليقين بالله .
مع تحياتي ..
نعمة حسن





