الأسبوع العربيدنيا ودينمقالاتمقالات تِكمنوعات

ظاهرة «أفتوني، شكرًا».. فوضى باسم الفتوى

ظاهرة «أفتوني، شكرًا».. فوضى باسم الفتوى

بقلم: تقوى مصطفى

في زمن التريند الفارغ، والتفاهات، والغثاءات، أُصيب صاحب الحدس السليم بتبلّدٍ مزمن مما يقرأ ويسمع ويشاهد. فمع كل مشهد من ضروب الغباء تلك، لا يملك إلا أن يحمد ربه على نعمة العقل، ويقلّب الصفحة سريعًا قبل أن يصاب بدوار لا دواء له.

يقول في نفسه: لا عجب؛ فقد قسّم الله الأفهام كما قسّم الأرزاق.

وكم كانت عورات البشرية مستترة قبل أن يستخدم الإنسان التكنولوجيا، بغباء، ضد نفسه، لتصبح شاهدةً على جهله وسطحيتِه، بينما هو معتدٌّ فخور أنه قد «ذاع صيته»! آواه، يا لهذا المحظوظ، قد اشتهر بعورته!

غير أن التفاهة، وإن استفحلت، يبقى ضررها في الغالب محصورًا في أصحابها ومن شاكلهم. أما كارثة الكوارث وأم المصائب، فهي حين تتجاوز ظاهرة التريندات خطًّا لا ينبغي أن تقتربَ منه: خطَّ الشريعة والدين.

هنا فقط يكاد العاقل أن يجنّ، أو أن يجني على هاتفه المسكين بكسرٍ أو بإصابة مستديمة، وهو يرى عاميًّا يطرح سؤالًا شرعيًا في إحدى مجموعات الفيسبوك، لتبدأ على الفور حفلة «أفتوني، شكرًا»، وتتحول المجموعة إلى «دار إفتاء شعبية»، وتنهال الفتاوى عجبًا عجابًا كما يطلبه المستمعون؛ فيغدو كل عابر سبيل مفتيًا، وكل صاحب تجربة مرجعًا، وكل صاحب رأي وصيًّا على الشريعة. فهذا يفتي برأيه، وتلك بمشاعرها، وذاك بفلسفته وتجربته، وآخر بما سمعه يومًا من أحدٍ ما، في مكانٍ ما.

ووالله، لو أدركوا خطورة ما يفعلون، لفضّلوا قطع أصابعهم قبل أن يقولوا ويتقولوا في دين الله بما لا يفقهون.

فالأمر ليس مجرد جهلٍ عابر، أو رأيٍ شخصيٍّ يُبدى، أو هفوةٍ تُغتفر، بل هو أخطر من ذلك بكثير. فالقول على الله تعالى بغير علم يُعدّ في ميزان الشريعة من أعلى درجات المحرمات. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، مقرونةً بالفواحش والشرك في سياق واحد، لتكشف عن حجم هذا الذنب الذي يستهين به الناس اليوم، وكأنه لا يعدو رأيًا في سلعة، أو تعليقًا على منشور.

يقول ابن القيم إن القول على الله بغير علم: «أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر» (إعلام الموقعين، 1/38)، وإن في كلامه هذا -رحمه الله تعالى- وصفًا دقيقًا لما يحدث حين يُغيَّر الدين بأقاويل الجهلة، وتتناقلها الألسن، وتتلقفها العامة، حتى تستقر في الأذهان على أنها من الدين.

فتصبح أمامنا مصيبةٌ مركبة ذات شقين؛ أولهما: جاهلٌ يتصدر للفتيا، وهو لا يدري ما يقول. وثانيهما: سذاجةٌ جماعية تُصفّق له، وتُعيد نشر جهالاته، وتبني عليها قناعاتٍ دينية راسخة، فإذا بنا أمام تصوّرٍ للدين مُركَّبٍ من الأهواء والمشاعر والتجارب الشخصية، لا من العلم والنقل والدليل.

ومن هنا، أوجّه نداء استغاثةٍ عاجلًا إلى أربعة أطراف معنيّة بهذا الشأن:

الأول: إلى العلماء الربانيين وأهل العلم المصرّح لهم بالفتيا؛ أن يكونوا أقرب ما يكون إلى الناس، حاضرين في المنصات التي يرتادونها، حيث يسهل الوصول إليهم. فإن غابوا عن المشهد، أو صعُب التواصل معهم، أخلوا الساحة للجهلة والمتقوّلين على الله بغير علم.

الثاني: إلى السائل، وإن كان مشكورًا على حرصه ورغبته الصادقة في بلوغ الحق، فإننا نقول له: أخطأتَ العنوان. قال رب العزة والجلال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]؛ أي أهل العلم والاختصاص، لا أرباب الفيسبوك والعوام.

الثالث: إلى المتكلم بغير علم؛ فالنية الحسنة وحدها لا تكفي في هذا المقام. فقد تميّزت هذه الأمة بالإسناد، إذ قال الإمام عبد الله بن المبارك: «إن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل وعلم الرجال، وعكف سلفنا الصالح على هذين العلمين، حتى وصل إلينا هذا الدين صافيًا نقيًا، مقرونًا بالسند والدليل. فكيف يتجاوز أحدٌ هذا كله بكلمة لا يلقي لها بالًا، قد تُردي غيره قبل أن ترديه؟ وقد قيل: «لو سكت من لا يدري لأراح واستراح».

الرابع: لي ولكم، ولكل غيور على هذا الدين؛ أن يكون له دور إيجابي كلما رأى مثل هذه المنشورات: إما بإحالة السائل إلى فتوى صحيحة صادرة عن ثقة، مذيّلة بمرجعها، أو بتوجيهه إلى دور الإفتاء المعتمدة، أو بردع كل متكلم بغير علم في الدين.

فإذا تكاتف العلماء، وأحسن السائل السؤال، وأمسك الجاهل لسانه، وأدى الغيورون على الدين واجب البيان، سلكنا ــ بحول الله تعالى ــ أقرب مسالك العلم، وأهدى سُبل الورع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى