
المرأة لا تَرُدُّ ما تأخذه… بل تُضاعفه
بقلم: نعمة حسن
أعطِها حفنةً من الخضار، تُعِدْها إليك طبقًا تفوح منه رائحة البيت.
أعطِها جدرانًا صامتة، تصنع لك بينها وطنًا له روح وذاكرة.
أعطِها كلمةً طيبة، تعيدها إليك طمأنينةً تملأ أيامك.
أعطِها حبًّا صادقًا، تمنحك عمرًا كاملًا من الوفاء.
أعطِها بذرة حياة، فتحملها في جسدها شهورًا، وتردّها إليك طفلًا له قلب ووجه واسم ومستقبل.
فالمرأة لا تستقبل الأشياء كما هي؛ إنها تمتلك سرّ التحويل. تأخذ القليل، ثم تمرره عبر قلبها وصبرها وخيالها، فتمنحه معنى أكبر من حجمه الأول. كأن بين يديها معملًا خفيًا يحوّل المادة إلى حياة، والوقت إلى ذكريات، والتعب إلى دفء، والأماكن العابرة إلى بيوت يسكنها الأمان.
قوانين الانعكاس: حين يرتدّ الفعلُ مضاعفاً
لكن انتبه… إن كانت المرأة تضاعف الجميل، فهي قد تضاعف القبيح أيضًا.
أعطِها إهمالًا، فقد تعيده إليك مسافةً لا تستطيع عبورها.
أعطِها شكًّا متواصلًا، فقد يتحول داخلها إلى خوف يقتل أجمل ما بينكما.
أعطِها إهانة، فلا تنتظر أن تعود إليك الإهانة كلمةً واحدة؛ قد تعود صمتًا طويلًا، وبرودًا ثقيلًا، وقلبًا أغلق أبوابه بعدما ظل سنوات ينتظر منك اعتذارًا لم يأتِ.
أعطِها خيانة، فقد لا تعيدها خيانة، لكنها قد تعيدها غيابًا كاملًا عن حياتك.
فالقلوب الكريمة لا تنتقم دائمًا، لكنها حين تنكسر لا تعود إلى شكلها الأول.
وهنا تكمن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: حين تشكو من امرأة تغيّرت، لا تبدأ بالسؤال: ماذا حدث لها؟ ابدأ بالسؤال الأكثر شجاعة: ماذا كنت أضع داخل قلبها كل يوم حتى خرجت منه بهذه الصورة؟
فالمرأة ليست آلةً تصنع السعادة من العدم، وليست ساحرةً مطالبة بتحويل قسوتك إلى حنان، وإهمالك إلى إخلاص، وبخلك العاطفي إلى بيت سعيد.
لا يمكنك أن تزرع الشوك في روحها، ثم تغضب لأن يديك لم تحصدا الورد. لا يمكنك أن تحاصرها بالخوف، ثم تسأل أين ذهبت عفويتها. لا يمكنك أن تقلل من شأنها أمام الناس، ثم تطلب منها أن تراك عظيمًا. لا يمكنك أن تطفئها كل يوم، ثم تلومها لأنها لم تعد تضيء بيتك. لا يمكنك أن تعاملها كشيء مضمون، ثم تتعجب حين تكتشف أنها كانت إنسانًا قادرًا على الرحيل.
فنون العطاء: كيف تستردُّ السكينة؟
أعطِها أمانًا… تعطيك سكينة
حين تشعر المرأة بالأمان، لا تحتاج إلى خوض معركة كل صباح لإثبات قيمتها. تصبح أكثر هدوءًا، وأصدق تعبيرًا، وأقدر على منح الحب من دون أن تظل يدها فوق قلبها خوفًا من الضربة القادمة. الأمان ليس بيتًا له باب محكم فقط. الأمان رجل لا يستخدم أسرارها سلاحًا وقت الغضب، لا يهددها بالرحيل كلما اختلفا، ولا يجعلها تنافس نساء العالم كي تشعر بأنها كافية. رجل تستطيع أن تبكي أمامه دون أن يسخر، وأن تضعف دون أن يعايرها، وأن تتكلم دون أن يحوّل اعترافاتها إلى أدلة اتهام. أعطها هذا الأمان، وستمنحك سكينة لا تُشترى.
أعطِها احترامًا… تعطيك مكانة
المرأة التي يحترمها شريكها لا ترفعه بالخوف، بل ترفعه عن اقتناع. تحفظ صورته في حضوره وغيابه، ولا تسمح لأحد أن يقلل منه، لأنها لا تدافع عن رجل يملكها، بل عن إنسان صان كرامتها. والاحترام لا يظهر في الهدايا الثمينة وحدها، بل يظهر في نبرة الصوت، في الإنصات لرأيها، في عدم السخرية من أحلامها، في الاعتراف بتعبها، وفي ألّا تتحول رجولتك إلى سلطة، ولا اختلافك معها إلى محكمة، ولا إنفاقك على البيت إلى صك ملكية لإنسانيتها. امنحها الاحترام، وستمنحك قدرًا في قلبها لا تمنحه الأموال ولا المناصب.
أعطِها اهتمامًا… تعطيك حياةً في التفاصيل
لا تبحث المرأة دائمًا عن الأشياء الكبيرة. أحيانًا يكفيها أن تتذكر ما تحبه، وأن تلاحظ تغير صوتها، وأن تسألها عن يومها ولا تجعل السؤال إجراءً شكليًا. تحتاج إلى أن تشعر بأنها مرئية، أن يراها أحد وسط الزحام، أن يلاحظ صمتها قبل أن يتحول إلى انهيار، أن يفهم أن قولها: «أنا بخير» لا يعني دائمًا أنها بخير. أعطها اهتمامًا حقيقيًا، فستملأ حياتك بتفاصيل لم تكن تعلم أنك تحتاج إليها: كوبك كما تحبه، رسالتك قبل الموعد المهم، قميصك الذي اختارته بعناية، الدعاء الذي تقوله لك وأنت لا تسمع، والدفء الذي يسبقك إلى البيت وينتظرك حتى تعود.
أعطِها ثقة… تعطيك جناحين
المرأة التي تثق بها لا تحتاج إلى أن تعيش تحت التحقيق. لا تفتش هاتفها، ولا تحاصر خطواتها، ولا تفسر كل تأخر على أنه جريمة. فالثقة ليست سذاجة، بل احترام لإنسان اختار أن يكون معك. حين تمنحها مساحة تنمو فيها، لن تخسرها كما يخيفك الوهم؛ بل ستعود إليك أقوى، وأكثر امتنانًا، وأكثر قدرة على أن تكون شريكة لا سجينة. الطائر الذي يعود بإرادته أكثر وفاءً من طائر أبقيته داخل القفص لأنك تخشى أن يكتشف السماء.
أعطِها تقديرًا… تعطيك أفضل ما فيها
هناك نساء يذبن في البيوت ببطء، لا لأنهن ضعيفات، بل لأن أحدًا لم يقل لهن يومًا: «أرى ما تفعلينه». يُنظر إلى جهد المرأة أحيانًا كأنه أمر طبيعي لا يستحق الامتنان. تطبخ، وتنظّم، وتربي، وتساند، وتعمل، وتداوي الخلافات، وتحفظ مواعيد الجميع، ثم تُسأل في نهاية اليوم: ماذا فعلتِ؟ كأن الأشياء التي لا تدفع مقابلها فاتورة لا قيمة لها. لكن كلمة تقدير صادقة قد تعيد إلى المرأة طاقةً ظن الجميع أنها نفدت. قل لها إنك ترى تعبها، ولا تنتظر أن تسقط كي تعترف بأنها كانت تحمل فوق كتفيها الكثير. فالورد لا يحتاج إلى خطبة طويلة؛ يحتاج إلى ماء يصل إليه قبل أن يذبل.
أعطِها صدقًا… تعطيك وجهها الحقيقي
لا تخدع المرأة ثم تطالبها بأن تكون عفوية معك. لا تخفِ عنها نصف حياتك، ثم تغضب لأنها صارت كثيرة الأسئلة. حين يتكرر الكذب، لا يقتل الحقيقة وحدها؛ إنه يقتل الراحة. يجعلها تراجع كل كلمة، وتفتش خلف كل موقف، وتشك حتى في اللحظات الصادقة. أما الصدق، فيعفيها من الحراسة. يمنحها فرصة أن تخلع دروعها، وأن تحبك بوجهها الحقيقي، لا بالنسخة الحذرة التي صنعتها خيباتها السابقة.
أعطِها شراكة… تعطيك أسرة لا مؤسسة أوامر
المرأة ليست موظفةً عند الرجل، والرجل ليس ماكينة نقود داخل المنزل. العلاقة التي تقوم على الأوامر والخدمات قد تستمر شكليًا، لكنها تفقد روحها بمرور الوقت. الشراكة تعني أن يحمل كل طرف ما يستطيع، وأن يُقدّر ما يحمله الآخر. تعني أن يكون القرار حوارًا، لا فرمانًا. وأن تكون المسؤولية مشتركة، لا عبئًا يُلقى كاملًا على كتف واحد ثم يُوصف سقوطه بالتقصير. أعطها شريكًا، لا مراقبًا، فتعطيك رفيقة طريق، لا امرأة تؤدي واجباتها وتنتظر انتهاء اليوم.
أعطِها حلمًا… تعطيك مستقبلًا
لا تطلب من المرأة أن تصغر كي تبدو أنت كبيرًا. لا تطفئ طموحها حتى تظل قريبة منك. من يحب إنسانًا لا يقص جناحيه ليضمن بقاءه؛ بل يطير إلى جواره. ساند علمها وعملها وموهبتها. احتفل بنجاحها بدل أن تعتبره تهديدًا لرجولتك. فنجاحها لا ينتزع شيئًا من قيمتك، إلا إن كنت قد بنيت قيمتك من الأساس على ضعفها. أعطها فرصةً لتحقيق ذاتها، وستمنح بيتكما امرأةً ممتلئة بالحياة، لا روحًا مؤجلة تنتظر نهاية العمر لتسأل: ماذا لو؟
القسوة: درسٌ في الخسارة
أعطِها القسوة… فاستعد لما تصنعه القسوة. هناك رجال يتعاملون مع المرأة كالأرض: يزرعون فيها ما يشاؤون، ثم يلومونها على نوع المحصول. يزرع أحدهم الإهمال، فيحصد اللامبالاة. يزرع السخرية، فيحصد انطفاء الثقة. يزرع السيطرة، فيحصد الكذب والخوف. يزرع الخيانة، فيحصد الشك. يزرع العنف، ثم يتساءل لماذا لم يعد البيت هادًا. يزرع الصمت العقابي، فيحصد امرأةً تعلمت ألّا تحكي. يزرع التقليل من قيمتها، فيحصد قلبًا يبحث بعيدًا عن كلمة تقدير.
هذه ليست دعوة لإلقاء مسؤولية أفعال المرأة على الرجل؛ فكل إنسان مسؤول عن اختياراته، رجلًا كان أم امرأة. لكنها دعوة لفهم قانون إنساني بسيط: ما نقدمه للآخرين يترك أثرًا، والأثر الذي يتكرر يصنع شخصية العلاقة ومصيرها. المرأة لا تولد غاضبة من رجل تحبه، لا تبدأ العلاقة وهي تحمل قائمة اتهامات. غالبًا تدخل بقلب مفتوح، وبأمل واسع، وباستعداد مذهل للبناء. لكن القلب المفتوح ليس بابًا يُباح لك تحطيمه كلما غضبت، ثم العودة إليه حين تحتاج إلى الحنان.
الختام: المرأة.. مضاعِفة الحياة
المرأة ليست نصف المجتمع فقط… إنها مضاعِفة ما يضعه المجتمع فيها.
علّمها، فتربي أجيالًا تعرف قيمة العلم.
احترم عقلها، فتربي أبناءً يحترمون المرأة.
أعطها فرصة، فتصنع فرصًا لغيرها.
احمِ حقوقها، فتبني بيتًا لا يعرف الظلم.
اكسرها، وقد يمتد كسرها إلى أطفال يرون العالم من خلال خوفها.
أهنها، وقد يتعلم ابن أن الإهانة رجولة، وتتعلم ابنة أن الصمت على الإهانة قدر.
ولهذا لا تكون طريقة معاملة المرأة شأنًا خاصًا بين رجل وامرأة فقط؛ إنها بذرة اجتماعية. ما يحدث خلف باب مغلق قد يظهر بعد سنوات في سلوك طفل، أو عقدة شابة، أو قسوة رجل جديد يكرر ما رآه في بيت أبيه. المرأة التي تمنحها مجتمعًا عادلًا، تعطيك جيلًا أكثر عدلًا. والمرأة التي تحاصرها بالجهل والقهر، لا يحق لك أن تسألها وحدها لماذا لم تصنع مستقبلًا مشرقًا.
غيّر ما تعطيه… يتغير ما يعود إليك.
حين تريد تغيير امرأة في حياتك، لا تبدأ بمحاولة إعادة تشكيلها على مقاس رغباتك. غيّر لغتك معها، غيّر مقدار حضورك، غيّر الطريقة التي تختلف بها، غيّر نظرتك إلى تعبها، غيّر عادتك في تأجيل الاعتذار، غيّر اعتقادك أن الاعتراف بالخطأ يهدم هيبتك. غيّر ما تزرعه، قبل أن تطلب محصولًا مختلفًا. فقد لا تكون المرأة التي أمامك صعبة، بل متعبة. وقد لا تكون باردة، بل أُطفئت مرات كثيرة. وقد لا تكون كثيرة الشك، بل ذاقت من الكذب ما جعل الطمأنينة عندها معركة. وقد لا تكون صامتة لأنها لا تملك الكلام، بل لأنها تعلمت أن كلامها لن يُسمع.
وقد لا تكون قد تغيرت فجأة؛ ربما كانت تتغير أمام عينيك كل يوم، لكنك لم تنتبه إلا حين أصبحت النسخة الجديدة لا تناسبك.
المرأة ليست كائنًا خارقًا، ولا مصنعًا مضمونًا للسعادة. إنها إنسان؛ تخطئ وتصيب، تمنح وتتعب، تقوى وتضعف. غير أن قدرتها على التحويل تظل مذهلة: تحمل الألم وتخرجه حكمة، تحمل الحياة وتخرجها طفلًا، تحمل البيت فوق قلبها فيتحول من عنوان إلى مأوى.
لذلك، لا تسأل فقط: ماذا تعطيني المرأة؟ اسأل نفسك أولًا: ماذا أعطيها أنا؟
هل أعطيها حبًا أم اختبارًا يوميًا؟ هل أعطيها كتفًا أم عبئًا جديدًا؟ هل أعطيها صوتًا أم أطلب منها الصمت؟ هل أعطيها بيتًا آمنًا أم ساحةً تمشي فيها على أطراف أصابعها؟ هل أعطيها سببًا لتزدهر، أم ألومها لأنها تذبل في تربة لا ماء فيها؟
إنها لا تحتاج إلى رجل كامل، فالكمال وهم. تحتاج إلى رجل صادق، ناضج، يعرف أن القوة ليست في إخضاعها، بل في طمأنتها؛ وأن الرجولة ليست صوتًا مرتفعًا، بل موقفًا ثابتًا؛ وأن الحب ليس كلمة تقال في البداية، بل سلوك يتكرر حين تنتهي البدايات الجميلة وتبدأ الحياة الحقيقية.
أعطِ المرأة خيرًا، وسترى كيف يتكاثر الخير في يديها. أعطِها قلبًا، تعطيك بيتًا يسكنه قلبان. أعطِها حلمًا، تعطيك غدًا. أعطِها أمانًا، تعطيك وطنًا لا تحتاج داخله إلى الهرب. لكن لا تعطها الرماد، ثم تطلب منها أن تشعل لك الشمس.
فالمرأة، في كثير من الأحيان، لا تعيد إليك ما منحتها إياه فقط… إنها تعيد إليك صورته مكبّرة.
فانظر جيدًا إلى ما يعود منها إليك؛ فقد يكون في الحقيقة صدى ما ظللت تضعه داخلها لسنوات.
ومن أراد امرأةً مختلفة، فليبدأ أولًا بأن يصبح رجلًا مختلفًا.
ومن أراد حبًا أكبر، فليمنح حبًا أنضج.
ومن أراد بيتًا دافئًا، فلا يدخل إليه بقلب من جليد.
فالمرأة أرض شديدة الخصوبة… لكن حتى أخصب الأرض لا تنبت وردًا، إذا كان كل ما نلقيه فيها شوكًا.
والكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وهذا على البشر كله فكلمة تبني وكلمة تهدم .
مع تحياتي ..
نعمة حسن .





