
عصام العربي
تعمدت ان يكون عنوان مقالي مستفزاً بعض الشيء فمن ذا الذي يطبل ويزمر للجواسيس الذين باتت صورهم الذهنية غاية في السوء ما إن يتحدث أحد عن عالم الجاسوسية والعملاء؟
حقيقة ليس استقزازا اكثر مما هو لإثارة فضول القارئ
بالطبع لا أحد يطبل او يمدح هؤلاء أو يسعد بهم إلا من له مصلحة معهم أو من وراء مهامهم.. ومع ذلك نقول أوافق علي الجواسيس وأأيد الجواسيس التي نصنعهم على أعيننا لا أولئك الذين يتم زرعهم في أوساطنا. الفرق شاسع
نعم لجواسيس أو عملاء نصنعهم بمعرفتنا ولغايات وطنية وذلك تجسيدا لآية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
فهذه فئة تلعب أدواراً غاية في الأهمية في معارك الحق والباطل إن تم التخطيط لها لتسير وتعمل وفق منهج يتوافق مع تعاليم الشرع.
إذ بهم يمكنك تحقيق مكاسب وانتصارات وطنية دونما حاجة لإراقة دماء أو زهق أرواح لا من معسكرك أو حتى معسكر الجانب الآخر.
الجاسوسية أو زرع العملاء أمر قديم قرأنا عنه في كتب التاريخ بل ما زلنا نقرأ عن شخوصها وأحداثها إلى يوم الناس هذا.
إنها في كل الأزمنة والأمكنة قديماً وحديثاً. تجد اليوم أجهزة التجسس ومؤسساته في كل الدول تقريباً بل زاد الاهتمام بمؤسسات التجسس باعتبارها صفوفا أمامية في المعارك وعلى أكتافهم تتقدم الصفوف الأخرى إن سخنت الأجواء واحتاج الأمر إلى حزم وحسم للنتائج.
الجاسوسية مهارات وفنون
ليس هناك ما يمنع من تطبيق فكرة التجسس على العدو لا من الناحية الشرعية ولا القيمية بدليل قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). ومن تلك القوة كما أسلفنا ما نسميه اليوم بجهاز الاستخبارات الذي يكون من صلب مهامه وعمله حماية أمن ومصالح البلاد ومن فيها من أعداء الداخل والخارج.
الجاسوسية اليوم أصبحت عملاً احترافياً يتطلب من القائم بهذا النوع من العمل دقة ومهارة وكياسة وفطنة مع سرعة بديهة لاسيما إن كان هذا «العميل» يعيش وسط بيئة معادية لبلده ودينه. فالعمل وسط العدو جد دقيق ويتطلب حذراً فوق المعتاد والمطلوب وعدم مخالفة التعليمات.
حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه طلب منه حضرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في إحدى الليالي الباردة لمعركة الخندق أو الأحزاب أن يجمع قواه ويدخل خلف خطوط العدو وطلب منه مهمة معينة لا يتجاوزها ولا يبادر بأي عمل من تلقاء نفسه حتى لو وجده سهلاً يسيراً وفي صالح المسلمين. ونجح حذيفة في دخول معسكر المشركين بل ووصل إلى القائد الأعلى لهم وكان يومها أبوسفيان حيث يقول حذيفة عن مشهد اقترابه منه: «رأيت أبا سفيان يُصلي ظهره بالنار من شدة البرد فوضعت سهماً في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولا تُذعرهم عليّ ولو رميته لأصبته».
المهم في القصة أنه نفذ المهمة وعرف معلومات غاية في الأهمية عن الحالة المعنوية لجيش المشركين وعاد سالماً دون أن يكتشف أمره أحد بعد معاناة من برودة ورهبة تلك الليلة فأخبر الرسول الكريم ما رآه وسمعه فكانت مكافأته كما يقول حذيفة: «فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائماً حتى أصبحت.
عيون الداخل والخارج
مشاهد من الحاضر كثيرة هي أمثلة على ما نتحدث عنه اقرأ ما كان يحدث مثلاً أثناء الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفييت. كل معسكر كان يجند عشرات الآلاف من العملاء المهرة في المهام المطلوبة وأصحاب ذكاء عاطفي واجتماعي بالإضافة إلى تمتعهم بمهارات أخرى تتطلبها مهامهم، سواء كانوا مواطنيهم أم مواطني المعسكر الآخر أو الخونة، إن صح التعبير.
كل معسكر يريد كشف ثغرات الآخر كي تسهل عملية التسلل وجمع المعلومات لتحقيق وانجاز المهام المطلوبة.
الأمر لا زال مستمراً بين المعسكرين بل اليوم لا تجد دولة إلا ولها أجهزة للداخل والخارج. فأما الأجهزة المختصة بالخارج أو الأعداء الخارجيين فالأمر غالباً يعتمد على مدى نفوذ وسعة المصالح حول العالم أو استراتيجات الدولة وبالتالي تنوع الأعداء وكثرتهم بالضرورة.
الأمن الداخلي لأي دولة لا يقل أهمية أبداً عن حماية مصالحها الخارجية وهو ما يستدعي انشاء جهاز أمن داخلي يستهدف عمله أهل الريب والشبهات في مجالات السرقة والجرائم اللا أخلاقية وما شابه من جرائم تؤثر على الأمن الداخلي للبلد وأهمية تتبعهم وملاحظتهم للحيلولة دون وقوع ضرر منهم على المجتمع ومن يعيش فيه. لكن هذا الأمر مع أهميته يحتاج لتقنين أو ضوابط فالأمر ليس بهذه السعة التي يمكن تصورها حتى يتم إطلاق يد الأجهزة الأمنية الداخلية بلا حدود وضوابط كما يحدث في عديد الدول.
الأهم من هؤلاء المؤثرين على الأمن الداخلي وسلامة المجتمع أولئك الذين يقومون بأعمال التجسس لغير صالح بلدانهم وأمتهم ودينهم فهذا الأمر ليس فيه أدنى شك أنه خيانة لله والرسول والأمة.
إن مثالاً واحداً على النموذج هذا يكفي أن يجعلك تدرك خطورة هذه الفئة الخائنة البائسة التي ارتضت من الدنيا القليل مقابل الاساءة لأهله ومجتمعه.
إنه الصداع المستمر للمجاهدين في غزة.
خونة الداخل المتعاونون مع الصهاينة. بلاؤهم ربما أكثر من بلاء الصهاينة المجرمين.
قبل الختام لابد من الإشارة أيضاً إلى الذي يتجسس داخل بلده لكن على أبناء وطنه خدمة لزعيم فاشي أو ديكتاتور ظالم أو نظام سياسي فاسد أو لصالح جهاز مالي أو منفعة شركات تجارية أو مؤسسات رياضية أو ما شابه من كيانات أو حتى لصالح أفراد.. ذلك عمل تجسسي بحت ممقوت، بل هو خيانة دون أدنى ريب. وهذا بلا شك يحتاج من المجتمع نفسه أن يتنبه لهم ويكشفهم ويقطع دابرهم. وقانا الله وأوطاننا المسلمة شر الخيانات والخونة أكانوا منا أو من غيرنا.. إنه سميع عليم مجيب الدعوات.





