مقالات

علم من أعلام التصوف تاج العارفين وسلطان الأولياء العارف بالله (عبد القادر الجيلاني)

علم من أعلام التصوف تاج العارفين

وسلطان الأولياء العارف بالله (عبد القادر الجيلاني)

كتب/ د. محمد احمد غالى

سلطان الأولياء عبد القادر الجيلي أو الجيلاني أو الكيلاني، هو إمام صوفي وفقيه حنبلي شافعي. وهو:

“أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب”. تنتسب إليه الطريقة القادرية الصوفية، يلقب فى المشرق بعبد القادر الجيلاني، وفي التراث المغاربي بالشيخ بوعلام الجيلاني. له من الألقاب التى لقبه اياها اتباعه : (باز الله الأشهب)، و(محيي الدين)، و(قطب بغداد)، و(تاج العارفين). ولد في ١١ ربيع الثاني عام ٤٧٠ هـ الموافق لعام ١٠٧٧ م، وكانت ولادته في جيلان العراق وهي قرية تاريخية قرب المدائن التي تبعد حوالي ٤٠ كيلو متر جنوب مدينة بغداد.

نال الشيخ عبد القادر الجيلاني قسطاً من علوم الشريعة في مستهل عمره على أيدي أفراد من أسرته، ثم رحل إلى بغداد، لمتابعة طلب العلم، دخلها عام ٤٧٨ هـ الموافق ١٠٩٥م، في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله، وعمره وقتئذ ثمانية عشر عاما . وبعد أن استقر في بغداد انتسب إلى مدرسة الشيخ أبو سعيد المخرمي التي كانت تقع في حارة باب الأزج، في أقصى الشرق من جانب الرصافة، وتسمى الآن محلة باب الشيخ. أخذ علوم الحديث والتفسير والفقه واللغة والأدب والطريقة وغيرها على أيدي كثير من مشاهير عصره من العلماء والفقهاء والمحدثين حتى ألم بعلوم الشريعة والطريقة وبلغ شأنا كليرا وتميز من بين أقرانه، ثم إن الله تعالى أظهره للخلق وأوقع له القبول العظيم، فكان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره. كان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تُعرَض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه.

أنشأ أستاذه أبو سعد المخرمي مدرسة لطيفة بباب الأزج ففوضت إلى عبد القادر فتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت وتعصب في ذلك العوام وأقام في مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفي.

وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علماً، وكان الناس يقرءون عليه في مدرسته درساً من التفسير ودرساً من الحديث ودرساً من المذهب ودرساً من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير وعلوم الحديث والمذهب والخلاف والأصول والنحو، وكان رضي الله عنه يُقرِأ القرآن بالقراءات بعد الظهر.

قال الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي رحمه الله تعالى: “حضرت أنا والشيخ جمال الدين بن الجوزي رحمه الله تعالى مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه فقرأ القارئ آية فذكر الشيخ في تفسيرها وجهًا، فقلت للشيخ جمال الدين: أتعلم هذا الوجه؟ قال: نعم، ثم ذكر وجهًا آخر، فقلت له: أتعلم هذا الوجه؟ قال: نعم، فذكر الشيخ فيها أحد عشر وجهًا وأنا أقول له: أتعلم هذا الوجه؟ وهو يقول: نعم، ثم الشيخ ذكر فيها وجهًا آخر، فقلت له: أتعلم هذا؟ قال: لا، حتى ذكر فيها كمال الأربعين وجهًا يعزو كل وجه إلى قائله، والشيخ جمال الدين يقول: لا أعرف هذا الوجه، واشتد عجبه من سعة علم سيدنا الشيخ رضي الله عنه”.

للإمام عبد القادر الجيلاني مصنفات كثيرة في الأصول والفروع وفي أهل الأحوال والحقائق والتصوف،

منها المخطوط والمطبوع و المصور، وفيها المنسوب أيضا، و قد ترجمت معظم مؤلفاته إلى اللغات العالمية وخاصة اللغة الإنجليزية. ومن هذه المؤلفات على سبيل المثال لا الحصر: (فتوح الغيب، أوراد الجيلاني، الحزب الكبير، دعاء البسملة، حزب الرجاء والانتهاء، آداب السلوك والتوصل إلى منازل السلوك، إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين، الفتح الرباني والفيض الرحماني، الفيوضات الربانية، رسالة في الأسماء العظيمة للطريق إلى الله).

أثنى عليه “الإمام أبو الحسن الندوي” في كتابه “رجال الفكر والدعوة” فقال: (لم يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النفوس، من الاشتغال بالتدريس، ونشر العلم، ونصر السنة والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع، وقد كان في العقيدة والفروع، متبعًا “للإمام أحمد” والمُحَدِّثين السلف).

ومدحه “الإمام ابن تيمية” فقال: (هذا هو التصوف الحق).

 من أقوال الشيخ عبدالقادر الجيلاني رحمه الله : ” وإنَّ طريقتنا هذه مبنية على: سلامة الصدر، وسماحة النفس، وبشاشة الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى، والصفح عن عثرات الإخوان”.

وقال رحمة الله عليه : ” السير سير القلب ، القرب قرب الأسرار ، العمل عمل المعاني مع حفظ حدود الشرع بالجوارح، والتواصل لله ولعباده”.

وقال الجيلاني أيضا : ” كلَّما جاهدتَ النفسَ وقتلتها بالطاعات حييت وكلَّما أكرمتها ولم تنهها في مرضاة الله ماتت قال وهذا هو معنى حديث رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.

كان الشيخ عبدالقادر الجيلاني يكتب الشعر أيضا ولكن كان شعره بوصفه طريقة لقول ما يشاء. وكان شعره بليغاً فصحيا يذوب فى الحب والعشق الاواعي ومناجاة المولى عز وجل، ومن أشعاره النديه قوله فى قصيدة “سَقَانِي الْحُبُّ كَاسَاتِ الْوِصَالِ” :

{سَقَانِي الْحُبُّ كَاسَاتِ الْوِصَالِ

فَقُلْتُ لِخَمْرَتِي نَحْوِي تَعَالِي***

سَعتْ وَمَشَتْ لِنحْوِى فِي كُئُوسٍ

فَهِمْتُ بِسَكْرَتِي بَيْنَ الْمَوَالِي***

وَقُلْتُ لِسَائِرِ الأَقْطَابِ لُمُّوا

بِحَانِي وَادْخُلُوا أَنْتُمْ رِجَالِي***

وَهِيمُوا وَاشْرَبُوا أَنْتُمْ جُنودِي

فَسَاقِي الْقَوْمِ بِالْوَافِي مَلاَلِي***

شَرِبْتُمْ فَضْلَتِي مِنْ بَعْدِ سُكْرِي

وَلاَ نِلْتُمْ عُلُوِّي وَاتِّصَالِي***

مَقَامُكُمُ الْعُلا جَمْعَاً وَلَكِنْ

مَقَامِي فَوْقَكُمْ مَا زَالَ عَالِي***

أَنَا في حَضْرَةِ التَّقْرِيبِ وَحْدِي

يُصَرِّفُنِي وَحَسْبِي ذُو الْجَلاَلِ***

أَنَا الْبَازِيُّ أَشْهَبُ كُلِّ شيْخٍ

وَمَنْ ذَا فِي الرجال أُعْطَي مِثَالِي***

دَرَسْتُ الْعِلْمَ حَتَّى صِرْتُ قُطْباً

وَنِلْتُ السَّعْدَ مِنْ مَوْلَى الْمَوَالِي***

كَسَانِي خِلْعَةً بِطِرَازِ عِزٍّ

وَتَوَّجَنِي بِتِيجَانِ الْكَمَالِ***

وَأَطْلَعَنِي عَلَى سِرٍّ قَدِيمٍ

وَقَلَّدَنِي وَأَعْطَانِي سُؤالِي***}

وبعد عطاء كريم فى حياة كريمة حافله بالعلم والأخلاق والتقوى توفي الشيخ عبدالقادر الجيلاني وقد بلغ التسعين عاما من عمره. كانت وفاته ليلة السبت ١٠ ربيع الثاني عام ٦٥١ هـ، الموافق ١١٦٦م. قام ابنه عبد الوهّاب بتجهيزه والصلاة عليه، وذلك في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه، ودفن فى بغداد، في رواق مدرسته، وحين علا النهار فتح باب المدرسة، وهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته. رحم الله الشيخ عبدالقادر الجيلاني ورضي عنه وأرضاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى