
الدكروري يتكلم عن مريم في بيت المقدس
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد نذرت أم السيدة مريم زوجة عمران وقيل هي السيدة حنة بنت فاقوذ، وهي حامل أن يكون طفلها لخدمة بيت المقدس، فلما وضعت ووجدت أنها كانت تحمل أنثى في بطنها، أوفت بنذرها وأرسلتها للخدمة أيضا، وقد تنازع عُبّاد بيت المقدس أيهم يكفلها، وقد حاول نبي الله زكريا عليه السلام أن يجعل كفالتها له، باعتبار صلته بها حيث إنه زوج خالتها، ولكنهم رفضوا أن يسلموها له إلا بناء على قرعة، فاقترعوا فغلبت قرعة نبي الله زكريا عليه السلام، فكفلها، وهيّأ لها مكانا تتعبد فيه في بيت المقدس، لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، وكان الله قد استجاب دعاء أمها امرأة عمران، فحفظها من مس الشيطان.
وكان نبي الله زكريا عليه السلام كلما دخل عليها موضع عبادتها وجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها، فتقول له ” هو من عند الله” وقد خاطبتها الملائكة، وبشّرتها باصطفاء الله تعالى لها، وبأنه سيهب لها ولدا زكيّا يكون نبيّا كريما طاهرا مكرّما مؤيدا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء، فسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، وكانت تخرج من بيت المقدس فترة حيضها، أو لحاجة ضرورية لا بد منها، وفي أحد الأيام خرجت لبعض شؤونها وحدها شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام.
ووقعت بينهما القصة المعروفة التي قصّها الله عز وجل علينا في القرآن، في السورة التي حملت اسم السيدة مريم عليها السلام، فاضطرها المخاض إلى جذع النخلة، فقالت يا ليتنى مت قبل هذا، قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس، فولدت نبي الله عيسى عليه السلام، وقد تكلم في المهد مدافعا عن أمه، ومبينا أنه رسول رب العالمين، إلى الناس لهدايتهم إليه، ودلالتهم عليه، فسلام على السيدة مريم عليها السلام، التي تبيّن سيرتها الزكية أهمية التقوى والعبادة والانصياع لإرادة الله سبحانه والتسليم له، والرضا بقضائه وقدره عز وجل فقد كان إيمانها وصلاحها وإخلاصها سبيلا لتكون مثالا يحتذى ونموذجا يقتدى، ولتكون ممن فضلهن الله على نساء العالمين جزاء صبرها وتقواها.
وعاشت مريم عليها السلام مع ولدها نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دهرا طويلا في الجبل يعبدان إلههما الجبار يقومان الليل ويصومان النهار ويأكلان من ورق الأشجار ونبات الأرض ويشربان من ماء الأمطار.





