
وقف المنان مفارقه لا تحتمل الصمت
بقلم: خالد مراد
في دولةٍ مرّت عليها عصور كاملة من التحولات السياسية والدستورية، من الحكم العثماني إلى الحملة الفرنسية، ومن الملكية إلى الجمهورية، ومن الاقتصاد المغلق إلى الانفتاح، يبدو أن هناك ملفًا واحدًا قرر أن يعيش خارج الزمن… بل وأن يعود اليوم ليجلس على طاولة النقاش وكأنه لم يحدث شيء في العالم منذ 400 عام.
نتحدث عن “وقف المنان” يُنسب إلى حقبة بعيدة، قبل أن تُرسم خريطة الدولة الحديثة أصلًا، قبل أن يُكتب أول دستور، وقبل أن تولد فكرة “الدولة المركزية” بصورتها الحالية.
مفارقة تتجاوز المنطق
من العبث والسخرية أن تتحدث إحدى مؤسسات الدولة الحديثة اليوم عن وقف يعود إلى تلك التواريخ الغابرة، وكأننا نتحدث عن ملف إداري بسيط، بينما هو في الحقيقة يتناول أملاكًا تمتد عبر محافظات كاملة، وتتشابك مع حياة الناس، ومع العمران، ومع الاقتصاد، ومع مقدرات دولة وشعب عبر أجيال.
الحديث هنا ليس عن قطعة أرض أو نزاع محدود، بل عن نطاق جغرافي واسع يمتد داخل محافظات مثل:
دمياط
الدقهلية
كفر الشيخ
وبعض مناطق الدلتا ذات الكثافة السكانية والزراعية العالية
أي أننا أمام أراضٍ لم تعد مجرد “وقف تاريخي”، بل جزء من نسيج دولة حديثة، قامت عليها قرى ومدن وزراعات ومشروعات، وتغيرت فوقها خرائط الزمن عشرات المرات.
دولة تغيّرت… وملفات لم تتحرك
منذ ثورة 1952 التي جاءت أساسًا لإنهاء الإقطاع وإعادة توزيع الملكية الزراعية، مرورًا بقوانين الإصلاح الزراعي، ثم إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والأرض، وصولًا إلى تحديث التشريعات العقارية، كان المفترض أن يتم حسم مثل هذه الملفات ضمن إطار قانوني واضح يعكس شكل الدولة الجديدة.
لكن المدهش أن بعض الملفات القديمة تُفتح اليوم وكأنها لم تمر عبر:
ثورة أطاحت بالملكية
دستور جديد غيّر شكل الدولة
قوانين أعادت توزيع الأرض
واقع عمراني تغيّر بالكامل
وكأن التاريخ بكل تحولاته لم يترك أي أثر على الورق القديم.
حين يتحول الورق إلى أزمة واقع
الأخطر ليس في وجود هذا النوع من الملفات التاريخية، بل في طريقة التعامل معها وكأنها قابلة لإعادة إنتاج الواقع من جديد، دون النظر إلى ما طرأ من تغييرات خلال قرون.
فالعبث الحقيقي يظهر عندما تتحول أوراق عمرها مئات السنين إلى موضوع نزاع حديث، يُطرح أمام مؤسسات يفترض أنها تدير دولة حديثة لا أرشيفًا مفتوحًا على كل العصور.
سؤال لا يمكن تجاهله
كيف يمكن التوفيق بين منطق دولة حديثة، قامت على تنظيم الملكية وتحديث القوانين، وبين فتح ملفات تمتد جذورها إلى ما قبل نشوء الدولة نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام؟
وهل يمكن فعليًا تحميل الحاضر مسؤولية نصوص تاريخية وُلدت في سياقات سياسية واجتماعية لم يعد لها أي وجود اليوم؟
أمام القضاء… التاريخ يدخل القاعة!
ومن العبث أيضًا أن تُطرح مثل هذه الملفات على منصة القضاء، الذي يُفترض أنه يفصل بين الحقوق وفق القوانين الحديثة، لا وفق خرائط زمنية اندثرت دولها وسلطاتها وأنظمتها.
فالقضاء هنا لا ينظر إلى نزاع عادي، بل يجد نفسه أمام امتداد تاريخي طويل، تتداخل فيه الوقائع مع التحولات الكبرى التي مرّت بها الدولة نفسها.
كلمة أخيرة
ليست المشكلة في التاريخ… بل في محاولة إعادته للحياة خارج سياقه.
فالدولة التي تغيّرت أنظمتها ودساتيرها وقوانينها عشرات المرات، لا يمكن أن تُدار اليوم بمنطق أوراق خرجت من زمنٍ آخر، ثم عادت لتطالب بحقوق في حاضر لم يكن موجودًا حين كُتبت أصلًا.
فإما أن نعترف أن الدولة الحديثة بدأت فعليًا، أو نظل نناقش الحاضر بعقلية ما قبل الدولة… وذاك هو العبث بعينه.





