أخبارأخبار الأسبوعأخبار محليه

الثانوية العامة والفوارق الطبقية

الثانوية العامة والفوارق الطبقية

بقلم .مروة فؤاد

 

 

 

**الثانوية العامة في مصر: امتحان واحد.. وجدران طبقية غير مرئية**

 

كل عام، مع اقتراب فصل الصيف، تتوقف مصر تقريباً عن العمل لتستعد لـ “العرس القومي” كما يُطلق عليه: امتحانات الثانوية العامة. تُرصّص الطرقات، وتُشدد الإجراءات الأمنية، وتُعلن حالة الطوارئ التعليمية. ولكن بعيداً عن التوتر الأكاديمي وضغط المناهج، يخفي كواليس هذا الحدث السنوي ظاهرة سوسيولوجية مؤلمة؛ حيث تتحول لجان الامتحان إلى ساحة اصطدام بين عوالم متباينة، تجلس فيها ورقة امتحان واحدة على طاولات تفصل بينها هوة اجتماعية شاسعة.

 

**اصطدام العوالم داخل اللجنة**

في لجنة واحدة، قد تجد طالباً قادماً من مدرسة حكومية في حي شعبي، يحمل على كاهله ثقل سنوات من الاعتماد على المدارس الحكومية والدروس الخصوصية المكثفة، وينظر إلى هذا الامتحان على أنه “طوق النجاة” الوحيد أو البوابة الضيقة للهروب من ضيق الحال. وعلى مقعد مجاور، يجلس طالب قادم من مدرسة خاصة أو دولية أو لغات، نشأ في بيئة تعليمية مختلفة، تتسم بموارد أكبر وضمانات مستقبلية أوسع، وقد يكون خوضه للامتحان الوطني مجرد خيار من بين خيارات عديدة، أو خطوة اضطرارية لا تحمل نفس “الرعب” الوجودي الذي يحمله زميله من المدرسة الحكومية.

 

ورقة الامتحان البيضاء لا تعرف الفرق بين الاثنين، ولا تسأل عن نوع المدرسة أو دخل الأب، لكنها للأسف تصبح شاهداً على فوارق طبقية تتجلى في التفاصيل الصغيرة: في طريقة الكلام، في الثقة بالنفس، وفي النظرة المجتمعية.

 

**المراقبون.. بين الحياد المفروض والتحيز المجتمعي**

رغم أن تعليمات وزارة التربية والتعليم تؤكد على معاملة جميع الطلاب بعدالة ومساواة، إلا أن الواقع النفسي داخل اللجان يكشف أحياناً عن تحيزات لا واعية. المراقبون، وهم في الغالب معلمون من نفس النسيج المجتمعي، قد يقع بعضهم ضحية للصور النمطية الطبقية.

 

فقد تُلاحظ تبايناً في نبرة الصوت وطريقة التعامل؛ فطالب المدرسة الحكومية، خاصة إذا كان من خلفية اجتماعية متواضعة، قد يُعامل بشيء من التشدد المبالغ فيه، أو يُنظر إليه بـ “شك مسبق” باعتباره مرشحاً محتملاً للغش أو إحداث فوضى، بناءً على صور نمطية ظالمة. في المقابل، طالب المدرسة الخاصة أو الدولية، غالباً ما يُحاط بهالة من “الاحترام التلقائي” أو يُعامل بتساهل أكبر، بحكم الانطباع المجتمعي الذي يربط بين المدارس الخاصة والانضباط والرقي، مما يخلق شعوراً قاسياً بالظلم والاغتراب داخل قلب اللجنة لدى الطالب الحكومي.

 

**أولياء الأمور.. جدران الحماية والنظرة الدونية**

إذا كان ما يحدث داخل اللجنة مؤلماً، فإن ما يحدث خارج أسوار المدرسة يكون أقسى. في أيام الامتحانات، تتحول الشوارع المحيطة بلجان السير إلى لوحات سريالية تعكس الفوارق الطبقية.

 

تأتي سيارات أولياء أمور المدارس الخاصة والدولية، لتقف على بُعد أمتار من أولياء أمور المدارس الحكومية الذين ينتظرون تحت أشعة الشمس. وهنا تبرز ظاهرة “الحماية الطبقية”؛ حيث يسعى بعض أولياء أمور المدارس الخاصة إلى عزل أبنائهم، والنظر إلى طلاب المدارس الحكومية نظرة دونية، أو نظرة شفقة ممزوجة بالتحفظ. يحاول هؤلاء الآباء “حماية” أبنائهم من “ثقافة” أو “سلوك” طلاب المدارس الحكومية، متجاهلين أن هؤلاء الطلاب هم في الأساس أبناء وطنهم، ويجتازون نفس الظرف العصيب.

 

هذه النظرات، وتلك المسافات التي يُحدثها أولياء الأمور عمداً، تترك ندوباً نفسية عميقة في طالب المدرسة الحكومية. فهو لا يمتحن فقط في الفيزياء أو التاريخ، بل يمتحن في “قيمه” و”انتمائه”، ليشعر بأنه “ضيف ثقيل” أو “عنصر غريب” يجب التحفظ منه، مما يهز ثقته في نفسه ويكرس لديه شعوراً بالاغتراب عن مجتمعه.

 

**خلاصة القول**

الثانوية العامة في مصر ليست مجرد اختبار لتحصيل العلوم والآداب، بل هي مرآة عاكسة للتفاوت الطبقي والاجتماعي الذي يعاني منه المجتمع. إن تحويل لجان الامتحان إلى ساحات للتمايز الطبقي، وتعامل بعض المراقبين وأولياء الأمور بناءً على انتماء الطالب المدرسي، هو جريمة في حق التكافؤ الفرص الذي تنص عليه الدساتير.

 

الحل لا يكمن فقط في تطوير المناهج أو تغيير أنظمة التقييم، بل يحتاج إلى ثورة في الوعي المجتمعي. يجب أن ندرك جميعاً أن طالب المدرسة الحكومية الذي يقف خارج اللجنة، هو نفس الشاب الذي سيبني هذا الوطن غداً، سواء تخرج من كلية الطب أو الهندسة، أو حتى من كلية أخرى. إن كسر هذه الجدران الطبقية غير المرئية يبدأ من نظرة احترام متبادل، ومن إدراك أن ورقة الامتحان، وكرامة الإنسان، لا تعرفان سوى الاجتهاد.. ولا تعرفان شيئاً عن نوع المدرسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى