اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفل

كيف نفهم سلوك طفل التوحد؟

كيف نفهم سلوك طفل التوحد؟
بقلم / سهير محمود عيد
التعامل مع سلوكيات أطفال Autism spectrum disorder ليس مهمة سهلة، لكنه أيضًا ليس مستحيلًا كما يظن البعض. الصعوبة الحقيقية لا تكمن في الطفل نفسه، بل في سوء الفهم الذي يحيط بسلوكياته. فكل حركة أو تصرف أو رد فعل يبدو غريبًا من الخارج، قد يكون له معنى عميق جدًا من الداخل، مرتبط بطريقة إدراكه للعالم من حوله.
كثير من الأطفال ذوي التوحد يظهرون حركات متكررة مثل رفرفة اليدين، هز الجسم، تكرار الكلمات أو إصدار أصوات معينة. هذه السلوكيات قد تبدو مزعجة للبعض، لكنها في الحقيقة غالبًا وسيلة لتنظيم المشاعر أو للتخفيف من التوتر أو حتى للتعبير عن الفرح. لذلك فإن أول خطوة صحيحة في التعامل معهم هي التوقف عن الحكم على السلوك، والبدء في محاولة فهمه.
البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا في استقرار الطفل. الأصوات العالية، الإضاءة القوية، الزحام أو التغيير المفاجئ في الروتين اليومي قد يؤدي إلى زيادة التوتر وبالتالي زيادة السلوكيات غير المألوفة. لهذا يُنصح دائمًا بتوفير بيئة هادئة، منظمة، وواضحة، مع جدول يومي ثابت يساعد الطفل على توقع ما سيحدث، مما يمنحه شعورًا بالأمان.
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض هي محاولة منع السلوك بالقوة أو العقاب. هذا الأسلوب لا يؤدي غالبًا إلى نتائج إيجابية، بل قد يزيد من القلق ويؤدي إلى تفاقم المشكلة. الطفل لا يحتاج إلى عقاب بقدر ما يحتاج إلى بديل مناسب للسلوك، وإلى شخص يفهم لماذا حدث هذا السلوك من الأساس.
التواصل مع الطفل خطوة أساسية أيضًا. بعض الأطفال لا يستخدمون اللغة بشكل كامل، لذلك يمكن الاعتماد على وسائل بديلة مثل الصور أو البطاقات أو الإشارات البسيطة. عندما يتمكن الطفل من التعبير عن احتياجاته، تقل كثير من نوبات الغضب أو الانفعال الناتجة عن الإحباط.
كذلك فإن التعزيز الإيجابي يعتبر من أهم الأدوات الفعالة. عندما يقوم الطفل بسلوك جيد، حتى لو كان بسيطًا، يجب تشجيعه فورًا. هذا التشجيع قد يكون كلمة لطيفة، ابتسامة، أو مكافأة بسيطة. مع الوقت، يتعلم الطفل أن السلوك الإيجابي يجلب له الاهتمام والدعم، فيتكرر بشكل أكبر.
ولا يجب إغفال أهمية تدريب الطفل على المهارات الاجتماعية بشكل تدريجي. مثل تعلم الانتظار، المشاركة، أو التواصل البصري البسيط. هذه المهارات لا تُكتسب بسرعة، لكنها تنمو مع التكرار والصبر، وتحدث فرقًا كبيرًا في حياة الطفل المستقبلية.
كما أن دعم الأسرة مهم للغاية. الأهل هم الأساس في رحلة الطفل، وكلما زاد وعيهم بحالته، أصبح التعامل أكثر هدوءًا وفعالية. كذلك يحتاج الأهل أنفسهم إلى دعم نفسي حتى يتمكنوا من الاستمرار دون ضغط أو إنهاك.
في النهاية، الطفل المصاب بالتوحد لا يحتاج إلى أن “يتغير ليصبح طبيعيًا”، بل يحتاج إلى أن يُفهم ويُحتوى ويُدعم. عندما نغير نظرتنا من محاولة السيطرة على السلوك إلى محاولة فهمه، نكتشف أن خلف كل تصرف رسالة، وأن وراء كل صعوبة فرصة لبناء تواصل أعمق وأكثر إنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى