اخصائي نفسيالأسبوع العربيمقالاتمنوعات

فن الاحتواء العاطفي

فن الاحتواء العاطفي
بقلم د رشا النواوي اليوم في المقال الخامس في رحلتنا سنتعرف على العلاقات الزوجية والاحتواء: هل شريكك مُلزم بإنقاذك عاطفيًا؟
في كثير من العلاقات الزوجية يبدأ الحب صادقًا ودافئًا، ثم يتحول مع الوقت — دون أن يشعر الطرفان — إلى حالة من التعلّق العاطفي المُرهق، حيث ينتظر أحدهما من الآخر أن يكون مصدر الطمأنينة الدائم، والحل لكل أزمة، والدواء لكل ألم نفسي.
وهنا يظهر سؤال مهم:
هل شريك الحياة مُلزم فعلًا بإنقاذنا عاطفيًا؟
الإجابة الأقرب للوعي والاتزان هي:
لا… لكنه مُطالب بالاحتواء، لا بالإنقاذ.
فهناك فرق كبير بين أن يحتويك شريكك، وبين أن يتحول إلى مسؤول كامل عن استقرارك النفسي وسعادتك الداخلية.
الاحتواء… حاجة إنسانية صحية
الاحتواء في العلاقة الزوجية ليس رفاهية، بل هو أحد أهم أسباب الأمان العاطفي.
أن يجد الإنسان شخصًا يسمعه، يطمئنه، يتفهّم ضعفه، ويحترم مشاعره… فهذا يمنح العلاقة عمقًا وإنسانية.
الزوجة تحتاج أن تشعر أن زوجها يسمع تعبها دون سخرية أو تقليل.
والزوج يحتاج أن يشعر أن ضعفه لن يُستخدم ضده أو يُقابل بالتجاهل.
الاحتواء الحقيقي لا يعني تقديم حلول دائمًا، بل أحيانًا يكفي:
الإصغاء باهتمام،
كلمة هادئة، لمسة دعم، أو شعور صادق بأنك “لست وحدك”.
لكن… متى يتحول الاحتواء إلى عبء؟
تبدأ المشكلة حين يحمّل أحد الطرفين شريكه مسؤولية إنقاذه من كل ألم داخلي:
“أنت السبب في حزني.”
“إن لم تهتم بي طوال الوقت فأنت لا تحبني.”
“يجب أن تجعلني سعيدًا دائمًا.”
“عليك أن تعالج كل خوفي وقلقي.”
هنا تصبح العلاقة مُرهقة؛ لأن الإنسان مهما أحب، لا يستطيع أن يكون طبيبًا نفسيًا دائمًا، أو منقذًا مستمرًا لكل الانكسارات القديمة والجروح المتراكمة.
الشريك الداعم يستطيع أن يساعدك على الوقوف…لكنه لا يستطيع أن يعيش حياتك بدلًا منك.
العلاقات الصحية لا تقوم على الإنقاذ
العلاقة الناضجة ليست علاقة “منقذ وضحية”، بل علاقة شراكة.
كل طرف فيها:
يتحمل مسؤولية مشاعره، يسعى لفهم نفسه،ويطلب الدعم دون أن يتخلى عن مسؤوليته الشخصية.
فالزواج الصحي لا يعني أن تختفي مشكلاتنا النفسية بمجرد وجود شخص يحبنا، بل يعني أن نجد من يرافقنا بوعي ورحمة ونحن نحاول التعافي والنضج.
لماذا نبحث أحيانًا عن “منقذ عاطفي”؟
بعض الناس يدخلون الزواج وهم يحملون فراغًا عاطفيًا قديمًا:

حرمانًا من الاهتمام، نقصًا في التقدير، خوفًا من الهجر، أو شعورًا بعدم الأمان منذ الطفولة.
فيتعلقون بالشريك بطريقة تجعلهم ينتظرون منه تعويض كل ما فقدوه سابقًا.
لكن المشكلة أن هذا التعلّق قد يتحول مع الوقت إلى ضغط كبير يُرهق العلاقة ويخنق الحب نفسه.
ماذا نحتاج بدلًا من ذلك؟
نحتاج إلى:
نضج عاطفي، وعي بالذات، قدرة على التعبير الصحي عن الاحتياجات، وتوازن بين الاعتماد على النفس وطلب الدعم.
من الجميل أن يكون شريكك مصدر راحة… لكن الأخطر أن يصبح المصدر الوحيد للراحة.
أخيرًا…
الاحتواء يُقوّي الحب، أما تحميل الشريك مسؤولية إنقاذنا بالكامل فقد يُضعف العلاقة دون قصد.
في العلاقات الصحية يقول كل طرف للآخر:
“أنا هنا لأدعمك، لا لأحملك وحدي.”
“أرافقك في ألمك… لكنني لا أستطيع أن أعيش معركتك بدلًا منك.”
فالحب الحقيقي لا يصنع أشخاصًا عاجزين عن الحياة دون الآخر،
بل يصنع شخصين أكثر أمانًا واتزانًا وقدرة على مواجهة الحياة… معًا.
في المقال القادم (قبل الأخير):
“الاحتواء في الصداقات والعمل: متى تعطي ظهرك ومتى تمد يدك؟”
سنخرج من المنزل إلى العالم:
كيف تحتوي صديقًا دون أن تستنزف؟
ماذا تفعل مع الزميل الذي يلقي عليك مشاعره كل يوم؟
كيف تحمي نفسك من الشخصيات السامة مع الحفاظ على إنسانيتك؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى