رجعوني تاني صغير
بقلم: بسملة حسين جادالكريم
وأنا صغير كان كل حلمي إني أكبر، ألف كل بلاد العالم، أكون مشهور، وأحب أكون في أي تجمع وأي دوشة.
مكنتش أحب أفضل في بيتي ساكن. كنت بقول: نفسي أكبر… إمتى هكبر؟ يووه، هو أنا ليه لسه صغير؟
كبرت، وقلت: هو ليه العمر عدى فجأة؟ ليه العالم بقى دوشة؟ ليه اللمة بقيت وحشة؟ ليه كلام الناس بيعمل في العقل ضجة؟ ليه فتحت للدنيا بدري؟ ليه الدنيا مبقتش حلوة؟
كبرت وبقى حلمي أبقى بعيد عن كل العالم، بعد ما كان حلمي إني ألفه. بقينا نميل للعزلة، بعد ما كانت تعجبنا اللمة، واكتفينا بالصحبة اللي بجد، واستغنينا عن باقي الصحبة.
بقينا نميل للبيت قوي، وفنجان الشاي أو القهوة.
بقى سعادتنا مش في خروجة ولا طلعة، ولكن في قعدة مع نفسك بالليل لوحدك، وكوباية الشاي والدنيا ضلمة.
بقيت أيامنا مبنية على ذكريات قديمة قوي، ذكريات كانت بسيطة وحلوة. ذكريات طفل صغير كان للحياة مغمض، كل همه يكبر بسرعة. كان بيحلم إنه يكبر، كان نفسه يشوف دنيا. وبعد ما فات سنين من عمره، شاف عكس اللي في مخيلته، وقال لنفسه: هي ليه الدنيا بقيت صعبة؟
فين عمو بتاع الشيبسي؟ فين المِس اللي بتشجعني؟ فين اللمة اللي في عيلتنا؟ فين العيد اللي بيجمعنا؟
فينك يا جدي؟ فين أيام ما كنت مابينا؟ فين حكاويك وأيامك الحلوة؟ فين كلامك، في كتاباتك، في صلاتك؟ فين صوتك اللي كان في بيتنا؟ فين مصروفي؟ فين النفحة؟ فين الحاجة اللي منك حلوة؟
فينك يا قطتي يا صغيرة؟ ليه رحتي مع كل اللي راحوا؟ ليه سيبتيني في دنيا صعبة؟ ليه مشيتي، وليه خيالك قاعد في الذكرى؟ ليه وفاتك مش مفارقاني؟ ليه شكلك لسه في خيالي؟
فينك يا شجرة؟ فين شكلك اللي كان بيعمل في قلبي فرحة؟ فين أخواتك اللي كانوا عاملين لبيتنا معنى؟ فين عصافيرك؟ فين الجو الحلو منك؟ ليه سيبتيني؟ ليه مشيتوا؟ ليه ما سابوش ولا حاجة حلوة؟
فينك يا حلمي؟ فينك يا هدفي؟ ليه ضعت وسط الدنيا؟
ليه الدنيا بقت صعبة؟ ليه الطيبة في حياتنا تايهة؟ ليه بقينا في حتة ضلمة؟ ليه بقينا زي برا، من غير اللمة والطيبة اللي كانت بينا؟
فين الطيبة اللي كانت علينا غالبة؟ ليه الحياة الحلوة راحت؟ ليه طيبتنا مع أحببنا ماتت؟ ليه القلوب مبقتش صافية؟ ليه الوشوش مبقتش سالمة؟ ليه كل يوم نبقى أسوأ؟ ليه بقينا زي برا؟
فينك يا طفل يا صغير؟ فين أيام ما كنت بتلعب؟ فين ريحة الصبح بدري؟ فين أيام المدرسة؟ فين الطابور؟ فين تحية العلم؟ فين «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»؟ فين بكار؟ فين الزرع واللعب في الفسحة؟ فين أيامك يا غَدْوة؟ فين مصروفك اللي كنت منه تحوش؟ فين الرسالة اللي بين أهلك وناسك وصحابك؟ فين الترابط اللي كان في حياتك؟ فينك يا طفل يا صغير؟
هو ليه أطفال اليومين دول مش شبهنا؟ ليه ألعابهم مش شبهنا؟ فين نط الحبل؟ فين شبر شبرين؟ فين «فتحي يا وردة، غمضي يا وردة»؟هي ليه الدنيا غمضت فجأة؟!
فينك يا قلم؟ فينك يا تعبير؟ ومين يسألنا على الخط الجميل؟ ليه بس كنت عايز تكبر؟!
رجعوني تاني صغير. رجعوني لزمني القديم. مش عايز الزمن اللي اتغير. رجعوا عقولنا للماضي… رجعونا تاني زي ما بتقولوا: متخلفين.
رجعوا الطيبة اللي سميتوها عبط. رجعوا الكرم اللي انقرض. رجعوا الأسماء لمعانيها، مش زي ما فهمتوها لينا. رجعوا الضحكة لقلوبنا… رجعونا للبساطة. رجعوني تاني صغير




