الأسبوع العربيخاطرةمجلة الأديب العربي

مهما طال الغياب لا يمحي الذكري

مهما طال الغياب لا يمحي الذكري
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​نقف أحيانًا على أعتاب أمكنةٍ قديمة أو نمرّ بها عابرين من خلف زجاج نافذةٍ مسرعة فيتوقف الزمن فجأة في عقولنا بينما يستمر قطار الحياة في مسيرة تلك الأماكن ليست مجرد إسمنتٍ وحجر وليست مجرد إحداثيات على خارطة الجغرافيا إنها مستودعات الأرواح ومسارح الحنين، ومخابئ الحكايات التي عشناها يومًا بكل جوارحنا، ثم مضينا وتركنا فيها قطرات من مشاعرنا.
​الرحلات تبدأ بفكرة، وتمرّ بمحطاتٍ نملؤها بالضحكات والفرح، وتتسارع فيها الساعات كأنها ومضات برقٍ خاطفة لكنها دومًا وكحتمية كونيّة تنتهي عند محطة الوداع. غير أن الوداع في الواقع لا يعني الغياب الكامل فالأماكن تظل واقفة في مكانها تحرس تفاصيلنا الراحلة.
​حين يرتدّ البصر إلينا ونحن ننظر من نافذة سيارة مسرعة، وينسحب الخيال بنا إلى ذلك الركن السريّ الذي لا يشاركنا فيه أحد يثور ذلك السؤال الفلسفي العميق هل الأماكن هي التي تسرقنا أم أن الذاكرة هي التي تعيد إلينا ما ظننّاه قد مضى؟
​لعل الإجابة تكمن في اندماج الاثنين معًا في علاقة طردية معقدة
​الأماكن كـ “مفاتيح زمنية المكان لا يملك يدًا ليسرقنا بها لكنه يملك سحر الحضور. إنه يختزن الروائح، والظلال وزوايا الضوء التي عشناها. عندما نعود إلى مكانٍ ما أو نلمحه من بعيد، فإنه يعمل كزرّ تشغيل ليعيد فتح أبواب الماضي. المكان هو الثابت الذي يشهد على تحولنا وتغيرنا.
​ الذاكرة ليست مجرد شريط تسجيل جاف إنها فنان يعيد تلوين المشاهد. عندما تعيد إلينا اللحظات، هي لا تنقلها بحيادية بل تضفي عليها مسحة من الشجن والحنين، فتجعل الأيام الراحلة تبدو أجمل والضحكات تتردد بصوتٍ أنقى والخسارات تبدو أعمق بكثير.
​إننا لا ننتمي إلى الأماكن بقدر ما ننتمي إلى مشاعرنا التي تركناها هناك. فالأماكن بدون ذكرياتنا ما هي إلا فراغات جغرافية صامتة.
​عندما تشعر بأن تلك الصور المتتابعة أمام عينيك قد “سرقت منك شيئًا لا يعوض فإنها في الحقيقة لم تسرق حاضرك، بل سرقت “وعيك باللحظة الحالية” لتقذفك في أتون ما كان.
​إنها سرقة محببة وموجعة في آنٍ واحد موجعة لأنها تؤكد لنا أن ما مضى لن يعود بنفس تفاصيله وثوانيه، ومحببة لأنها تثبت لنا أننا عشنا حقًا، وأننا امتلكنا يوماً ما يستحق أن يُبكى على فراقه أو يُبتسم لاستعادته.
​في النهاية، المكان هو الجسد، والذاكرة هي الروح. المكان يعطي للذكريات حيزاً ومأوى، والذاكرة تعطي للمكان حياةً ومعنى. ونحن، العابرين بين المحطات، نعيش في ذلك الركن الفاصل بينهما تصنعنا الأماكن وتُحيينا الذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى