أخبار الأسبوعالأسبوع العربيالأسرة والطفلتقارير

نشر مشاكل البيوت بمواقع التواصل الاجتماعي

نشر مشاكل البيوت بمواقع التواصل الاجتماعي

بقلم .. حماده مبارك

لم تعد جدران البيوت تحجب أسرار أصحابها كما كانت من قبل، فبضغطة زر أصبح الخلاف العائلي منشورا، والمشكلة الزوجية حديث المتابعين، والخلاف بين أفراد الأسرة مادة مفتوحة للتعليقات والآراء والتدخلات.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة، إلى متى ستظل مشاكل البيوت تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي؟ ومتى ندرك أن بعض الأمور لا تُحل أمام الجمهور، وإنما داخل البيت وبالحكمة والستر والعقل؟

مقالات ذات صلة

في السنوات الأخيرة، أصبح من السهل أن تتحول مشادة عائلية عابرة إلى قضية رأي عام على صفحات التواصل الاجتماعي، بعدما يلجأ أحد أطراف الخلاف إلى نشر تفاصيل خاصة، أو بث رسائل واتهامات متبادلة، انتظاراً للتعاطف أو كسب المؤيدين.

لكن المشكلة أن ما يُنشر على مواقع التواصل لا يبقى لحظات عابرة، بل يمكن أن ينتشر في دقائق، ويصل إلى الأقارب والجيران والأصدقاء والأبناء، وقد يتحول الخلاف الذي كان من الممكن احتواؤه داخل المنزل إلى أزمة يصعب التراجع عنها.

البيت ليس ساحة معركة ، والخصوصية ليست مادة للترند.

وقد حذرت دار الإفتاء المصرية من إفشاء أسرار الحياة الزوجية، مؤكدة أن نشر خصوصيات الأسرة على مواقع التواصل الاجتماعي له آثار خطيرة على استقرار الأسرة، وأن الحفاظ على حرمة البيوت وأسرارها من أسباب الاستقرار والمودة.

والأخطر من ذلك أن تدخل الجمهور في الخلافات الأسرية قد يزيد النار اشتعالا بدلا من إطفائها، فكل طرف سيجد من يؤيده، ومن يشجعه على التصعيد، ومن يقدم له نصائح قد تكون مبنية على رواية ناقصة أو صورة غير مكتملة.

وهنا يجب أن نتذكر أن المتابع لا يعيش تفاصيل البيت، ولا يعرف ما حدث قبل الواقعة، ولا يسمع إلا رواية طرف واحد في كثير من الأحيان.

كما أن مواقع التواصل نفسها قد تتحول من وسيلة للتواصل إلى عامل يزيد التوتر داخل الأسرة، خصوصاً عندما يصبح الهاتف حاضراً في كل لحظة، بينما يغيب الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة، وقد أشارت دار الإفتاء إلى تأثير سوء استخدام وسائل التواصل في العلاقات الزوجية، وما قد يترتب عليه من توتر وتدخلات وإفشاء للخصوصيات.

ليس كل خلاف يحتاج إلى جمهور ، وليس كل وجع يحتاج إلى منشور.

هناك مشاكل تحتاج إلى جلسة هادئة، وأخرى تحتاج إلى تدخل شخص حكيم من أهل الثقة، وبعضها يحتاج إلى متخصص يساعد الطرفين على الوصول إلى حل.

أما تحويل كل خلاف إلى منشور، وكل مشكلة إلى بث مباشر، وكل أزمة إلى حملة تعليقات، فهو في كثير من الأحيان لا يحل المشكلة، بل يجعل الصلح أكثر صعوبة، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات.

والأبناء تحديداً هم الطرف الأكثر تضرراً لأنهم قد يجدون تفاصيل خلافات والديهم متداولة أمام زملائهم وأصدقائهم، فيعيشون أزمة لم يختاروها، ويدفعون ثمن خلاف كان من الممكن أن يظل داخل حدود البيت.

نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الستر، وإلى فهم أن الرجولة ليست في التشهير، والقوة ليست في فضح الطرف الآخر، والانتصار الحقيقي ليس في جمع مئات التعليقات المؤيدة، وإنما في القدرة على احتواء الأزمة وحماية الأسرة وكرامة أطرافها.

فيا كل من يوشك أن يكتب عن مشكلة داخل بيته ، توقف لحظة واسأل نفسك، هل هذا المنشور سيحل المشكلة أم سيزيدها؟ وهل ستظل راضيا عنه بعد عام؟ وهل سيقبل أبناؤك أن يروا تفاصيل بيتهم منشورة أمام الجميع؟

الخصوصية ليست ضعفاً، والستر ليس خوفاً ، والصمت في بعض المواقف ليس عجزًا.

إنما هو وعي بأن للبيوت حرمة، وللأسر كرامة، وللخلافات حدوداً لا ينبغي أن تتجاوز أبواب المنزل.

فمتى نتعلم أن بعض الحكايات مكانها البيت، وبعض الخلافات مكانها الحوار، وبعض الأسرار لا ينبغي أن تصبح أبدًا مادة للترند؟

احفظوا بيوتكم من ضجيج السوشيال ميديا ، فليس كل ما يحدث داخل البيت يصلح أن يعرفه العالم.

الرئيسية

صفحتنا على فيس بوك

نشر مشاكل البيوت بمواقع التواصل الاجتماعي
نشر مشاكل البيوت بمواقع التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى