
عبدول.. المصري الذي تحدى ترامب
كتب خالد مراد
في 4 أغسطس 2026، كتب الدكتور عبدالرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، صفحة جديدة في تاريخ السياسة الأمريكية، بعدما فاز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، متفوقًا بفارق ضئيل على النائبة هالي ستيفنز.
وحصل عبدول على نحو 48.5% من الأصوات، مقابل 47.5% لستيفنز، بفارق يقارب 15 ألف صوت من إجمالي نحو 1.5 مليون بطاقة انتخابية.
لكن قيمة الانتصار لا تكمن في النسبة وحدها، وإنما في من هزمه وكيف هزمه.
فستيفنز كانت مدعومة من قطاعات واسعة من المؤسسة الديمقراطية، بينما واجه عبدول إنفاقًا ضخمًا من الجماعات المؤيدة لها، وتجاوز الفارق في الإنفاق بين الطرفين 9 إلى 1، ووصلت بعض التقديرات إلى 12 إلى 1. ومع ذلك، حسم المرشح التقدمي المعركة لمصلحته.
من هو «عبدول»؟
عبدالرحمن السيد طبيب وخبير في الصحة العامة، وسبق أن تولى إدارة الصحة في مدينة ديترويت، وهو أمريكي مولود في ميشيغان لأبوين مصريين.
وبفوزه أصبح أول مسلم يحصل على ترشيح أحد الحزبين الكبيرين لمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهي سابقة سياسية لها دلالتها في بلد كان المسلمون فيه لسنوات هدفًا لصراعات الهوية والخطاب السياسي.
لكن عبدول لا يقدم نفسه باعتباره «مرشح المسلمين» فقط، وإنما باعتباره سياسيًا أمريكيًا تقدميًا يخوض معركة حول الاقتصاد والصحة والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية.
لماذا أصبح فوزه مهمًا لترامب؟
عبدول لم يخض انتخابات ضد ترامب مباشرة، ولذلك فإن القول إنه «هزم ترامب» انتخابيًا غير دقيق.
لكن فوزه يمثل تحديًا سياسيًا للتيار الذي يقوده ترامب، خصوصًا أن منافسه في انتخابات نوفمبر هو الجمهوري مايك روجرز، وهو حليف لترامب.
وهكذا أصبحت ميشيغان أمام مواجهة سياسية ساخنة: مرشح ديمقراطي مسلم من أصول مصرية في مواجهة جمهوري مدعوم من التيار الترامبي.
إسرائيل وغزة.. أكثر ملفاته إثارة للجدل
عبدول يتبنى موقفًا شديد الانتقاد للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
ويدعو إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، كما يتبنى موقفًا مؤيدًا للحقوق الفلسطينية وينتقد بشدة الحرب على غزة.
وكان هذا الملف أحد أهم أسباب الاستقطاب حوله، خصوصًا في ولاية تضم جالية عربية ومسلمة كبيرة.
وفي المقابل، فإن اختزاله باعتباره مؤيدًا لحماس ليس دقيقًا؛ فهو أدان هجوم 7 أكتوبر، ويفصل بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها وبين تأييد حركة حماس.
وماذا عن مصر؟
جذوره المصرية تمنح فوزه أهمية خاصة في العالم العربي، لكنه ليس سياسيًا مصريًا داخل أمريكا.
عبدول أمريكي، وبرنامجه موجه إلى الناخب الأمريكي، إلا أن وصول ابن مهاجرين مصريين إلى المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ يمثل حدثًا رمزيًا مهمًا لملايين العرب والمسلمين في الولايات المتحدة.
والأهم أن نجاحه يقول إن ابن الأسرة المصرية المهاجرة يمكن أن ينتقل من مقاعد المتفرجين إلى قلب صناعة القرار الأمريكي.
والمفاجأة.. موقفه من مجتمع الميم
رغم هويته الإسلامية وأصوله المصرية، فإن عبدول ليس سياسيًا دينيًا بالمعنى التقليدي.
إنه ديمقراطي تقدمي، ويتبنى مواقف ليبرالية في القضايا الاجتماعية، بما فيها دعم حقوق مجتمع الميم ومناهضة التمييز.
وهنا تظهر خصوصية شخصيته السياسية:
مسلم.. مصري الأصل.. مؤيد للحقوق الفلسطينية.. منتقد لإسرائيل.. وفي الوقت نفسه يتبنى أجندة اجتماعية تقدمية.
لذلك لا يمكن وضعه ببساطة في خانة «السياسي المسلم»، بل الأدق أنه سياسي أمريكي تقدمي يحمل هوية إسلامية وجذورًا مصرية.
انتصار المال لم يكن مضمونًا
ربما تكون أهم رسالة في انتخابات ميشيغان أن المال وحده لم يحسم المعركة.
عبدول خسر معركة الإنفاق بفارق هائل، لكنه كسب معركة الأصوات.
وتقول التقارير إن حملته اعتمدت بصورة كبيرة على العمل الجماهيري والمتطوعين، بينما ضخ خصومه عشرات الملايين من الدولارات لمحاولة إيقافه.
ولهذا أصبح فوزه واحدًا من أبرز انتصارات التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي في انتخابات 2026.
والآن.. نوفمبر هو الاختبار الحقيقي
بعد انتصار 4 أغسطس، أصبح عبدول رسميًا مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، وسيواجه الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة في نوفمبر.
وهنا تبدأ المعركة الأصعب.
فإذا فاز عبدول، فلن يكون مجرد سياسي أمريكي من أصول مصرية؛ بل سيصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي، في لحظة شديدة الحساسية سياسيًا بشأن غزة وإسرائيل والإسلام والهوية الأمريكية.
أما إذا خسر، فقد يكون قد ترك بالفعل أثرًا عميقًا داخل الحزب الديمقراطي وأثبت أن المال والمؤسسة السياسية لا يضمنان الفوز دائمًا.
عبدول لم يهزم ترامب في انتخابات مباشرة، لكنه نجح في هزّ حسابات سياسية كاملة، وانتقل من مرشح تقدمي مسلم من أصول مصرية إلى لاعب حقيقي في واحدة من أهم المعارك السياسية الأمريكية لعام 2026.
والسؤال الآن ليس: هل يستطيع عبدول الوصول إلى مجلس الشيوخ؟
بل:
هل تستطيع أمريكا أن تنتخب مسلمًا من أصول مصرية، ينتقد إسرائيل، ويدافع عن الفلسطينيين، ويتبنى أجندة تقدمية، ليصبح واحدًا من صناع القرار في واشنطن؟





