طبيب الجن
بقلم باهر رجب
في قرية كفر الحاج التابعة لمحافظة الدقهلية، كان الدكتور كمال معروفا عند الناس بلقب لا يكتب على اللافتة:
«الدكتور اللي بيعرف الجن».
عيادته من الخارج كانت عادية: لافتة خضراء، وكراسي بلاستيك، وممرضة عجوز تزن المرضى و تقيس الضغط.
لكن خلف الستارة السوداء في الغرفة الخلفية، كان هناك عالم آخر.
بعد صلاة العشاء، كان الدكتور كمال يغلق باب العيادة، ويخرج من درج قديم دفترا جلديا مليئا بالطلاسم، وزجاجة زيت أسود، ومرآة صغيرة مغطاة بقطعة حرير.
يشعل شمعة خضراء، و يتمتم بكلام غير مفهوم، ثم ينادي بصوت منخفض:
«يا ميمون… يا خادم البيت… اكشف لي ما خفي عني.»

طبيب الظلال..المرضى لا يأتون لأجل البرد فقط
في النهار كان يعالج الضغط والسكر و الرمد، لكن شهرته الحقيقية كانت في الليل.
كان يأتيه من يعاني من مرض عجز عنه الأطباء، أو من يظن أنه مصاب بعين أو سحر أو مس من الجن.
جاءته أم حسن بابنها حسن، شاب في العشرين أصيب بتشنجات غريبة.
قال أطباء المنصورة: «صرع».
لكن أم حسن لم تقتنع، وقالت للدكتور كمال:
«يا دكتور… الولد معمول له عمل، الناس حاسدينه على شهادته الجديدة.»
أمسك الدكتور كمال يد حسن، و أغمض عينيه، وتظاهر بأنه يقرأ النبض.
ثم همس:
«عندي الخبر من ميمون… في جني أحمر ساكن في رقبته، دخل من طلسم مدفون تحت شجرة التوت اللي جنب باب الدار.»
شهقت أم حسن:
«الشجرة اللي عند السلم؟!»
قال بثقة:
«بالظبط. لازم نستخرج الطلسم الأول، وبعدين نطرد الجني.»
حفر تحت شجرة التوت
في تلك الليلة، ذهب الدكتور كمال إلى بيت حسن.
حفر تحت شجرة التوت بيده، وأخرج قطعة قماش صغيرة فيها عظام طائر وخيط أحمر.
كان هو نفسه دفنها هناك قبل ثلاثة أيام، في زيارة أوهم بها أم حسن بأنه «يكشف أثر العمل».
صرخ الحاضرون:
«الله أكبر! كان مدفون فعلا!»
ثم بدأ العلاج:
قرأ على زيت زيتون، وكتب حجابا بمداد أسود، وطلب من حسن أن يعلقه على صدره، ومن أمه ألا تدخله الحمام ليلة الخميس.
وأخذ أجرا كبيرا.
تحسن حسن أياما، ربما لأن أدوية الصرع كانت ما تزال تعمل في دمه، أو لأن الحالة هدأت من تلقاء نفسها.
فرحت القرية كلها، وانتشر صيت الدكتور كمال أكثر.
أصبحت العيادة بعد المغرب تكتظ بمرضى من قرى مجاورة: شربين، و بلقاس، و دكرنس.
كانوا يأتون بمرضى السكر والسرطان و الوسواس، ويرددون:
«الدكتور كمال بيشوف بغير عينه.»
طبيب الظلال..الحقيقة المرة
الحقيقة أن الدكتور كمال لم يكن ساحرا حقيقيا كما يظن الناس، لكنه آمن بوجود «ميمون» حتى كاد يراه.
كان قد ورث كتبا قديمة من عمه «المعالج الروحاني»، وخلط بين الطب والوهم.
كان يظن أن الخادم يكشف له المرض، بينما هو في الحقيقة كان يقرأ الأعراض على وجوه المرضى، ويسأل ذويهم بمكر، ثم يخبرهم بما يريدون سماعه.
وأحيانا، في لحظات صفاء، كان يشعر أن شيئا ما يراقبه من المرآة الصغيرة.
لكنه كان يطرد الفكرة.
الطفلة رقية
بدأ الانهيار حين جاءته الطفلة رقية، تسع سنوات، تعاني من فقر دم حاد.
بدلا من أن يرسلها إلى مستشفى الأطفال في المنصورة، قال لأبيها:
«بنتك معمول لها سحر محبة عشان تضعف وتموت. لازم نغسلها بماء مقري و نحجبها.»
منعها من أقراص الحديد، وقال:
«الحديد يقوي الجني، لأنه من نار.»
مرت ثلاثة أسابيع، و رقدت رقية في بيتها اصفر وجها و تلهث.
أصرت المدرسة على نقلها إلى المستشفى.
هناك قال الطبيب الشاب:
«لو تأخرت يومين، كانت ماتت. فقر الدم حاد، ومحتاجة نقل دم فورا.»
طبيب الظلال.. ليلة الحساب
بعد فضيحة رقية، بدأ كلام القرية يتغير.
بعضهم قال إن الدكتور كمال خدعهم.
وآخرون دافعوا:
«الجن لا يعمل مع كل أحد، والجني غدر به.»
ذات ليلة، جلس الدكتور كمال في غرفته الخلفية وحده.
أشعل الشمعة الخضراء كعادته، ونظر في المرآة.
كان وجهه متعبا.
همس:
«يا ميمون… هل أنت موجود؟ أم أنا مجرد نصاب؟»
فجأة، انطفأت الشمعة.
تحرك الستار بلا ريح.
وسمع صوتا أشبه بصدى بعيد:
«أنت كنت خادما لي… والآن تريد أن تعرف الحقيقة؟»
ارتجف الدكتور كمال.
أمسك المصحف الصغير على المكتب، و قرأ آية الكرسي بصوت مرتجف.
سقطت المرآة و انكسرت.
هدأ المكان.
في الصباح، وجدته الممرضة نائما على الأرض، وقد ابيضت خصلات من شعره.
قال لها:
«أغلقي العيادة. لن أفتحها بعد اليوم.»
طبيب الظلال..النهاية
بعد أسبوع، غادر الدكتور كمال القرية.
قيل إنه ذهب إلى القاهرة وعمل في صيدلية صغيرة.
وقيل إنه اعتزل في مسجد بعيد.
أما عيادته فأصبحت دكانا للبقالة.
وبقيت الحكاية يتناقلها أهل كفر الحاج:
«الدكتور كمال كان يعالج بالجن… وفي الآخر، الجن هو الذي عالجه.»
ولم يبق من العيادة إلا لافتة قديمة صدئة مكتوب عليها:
«الدكتور كمال عبد التواب – باطنة و رمد»
وتحتها بخط أصفر باهت:
«علاج روحاني بالجن والسحر»
وكلما مر أحد أمامها قال:
«الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من عباده.»





