كتب: عطيه فرج
أثارت لافتة تم تعليقها على جدار أحد المساجد، تفيد بعدم الموافقة على تغسيل الميت الذي كان تاركًا للصلاة في حياته، جدلاً واسعًا واستنكارًا من قبل العديد من علماء الدين والمثقفين. وقد علق الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر الشريف، على هذه الواقعة المؤسفة بعبارة حاسمة: “(كفا تقنيطًا للناس من رحمة الله تعالى)”.

العشماوي ينتقد الفكر الإقصائي: لا تفرقوا بين المسلمين في الموت
أعرب الدكتور العشماوي عن أسفه الشديد إزاء ما ورد في هذه اللافتة، واصفًا إياه بأنه مظهر من مظاهر الفكر الإقصائي المتطرف الذي ابتلي به بعض المسلمين. وأشار إلى أن هذا الفكر لم يكتف بالتفريق بين المسلمين في حياتهم، بل تجاوزه ليفرق بينهم حتى في موتهم. وأوضح أن هذا التيار المتطرف ينتقي من بين مذاهب العلماء أشدها تحريجًا للأمة وأبعدها عن مقتضى الرحمة الإلهية، مؤكدًا على أن رحمة الله تعالى قد غلبت غضبه.
جمهور الفقهاء: تارك الصلاة تكاسلاً مسلم عاصٍ لا كافر
أكد الدكتور العشماوي، في منشور له عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن جمهور الفقهاء من أهل السنة والجماعة يرون أن تارك الصلاة تكاسلاً، وهو مؤمن بوجودها وفرضيتها، ليس بكافر بل هو مسلم عاصٍ يرتكب ذنبًا كبيرًا، ولكنه يبقى على رجاء مغفرة الله ورحمته. واستشهد بقول الإمام ابن عبد البر في كتابه “الاستذكار”: “أجمعوا أنه من تركها وهو قادر على إتيانها فمتى تجب عليه أنه غير كافر بفعلته وذلك ألا يكون جاحدًا لها ومستكبرًا عنها”.
استنكار للواقعة: من نصب نفسه قاضيًا ليمنع التغسيل؟
استنكر الأستاذ العشماوي بشدة هذه الواقعة، متسائلاً: “من أعلم هؤلاء حتى يمنعها عن تغسيله؟! من أين عرفوا أصلاً أنه تارك للصلاة؟! هل لكونه لا يصلي في مسجدهم؟!”. وأشار إلى أن هذا الشخص قد يكون يصلي في مسجد آخر أو في بيته، مؤكدًا على أن الحكم على الناس وبواطنهم ليس من حق أي فرد.
انتشار الكراهية والقنوط: ثقافة منافية لرحمة الله
حذر الأستاذ العشماوي من أن انتشار مثل هذه التنويهات واللافتات التي تحض على الكراهية والتنفير يؤدي إلى انتشار ثقافة اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل بين المسلمين، وهو ما يعد من الكبائر في الإسلام. واستشهد بقوله تعالى: “(إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)”.
أحاديث نبوية تحذر من تضييق رحمة الله على العباد
استدل الدكتور العشماوي بأحاديث نبوية شريفة تؤكد على سعة رحمة الله وتحذر من تضييقها على العباد. فقد ورد في صحيح مسلم من حديث جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلاً قال: “والله لا يغفر الله لفلان”، وأن الله تعالى قال: “من ذا يتألى علي -يحلف- أن لا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك”. كما أورد قول البيهقي في “شعب الإيمان” من حديث زيد بن أسلم مقطوعًا: “إن رجلاً من بني إسرائيل كان يقوم الناس أي من رحمة الله تعالى -يشدد عليهم -أي إنذارهم والتخويف -قال: فيقول الله تعالى له يوم القيامة اليوم أؤيسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها”.
دعوة إلى الرحمة والحب: سبيل هداية العباد إلى الله
ختم الأستاذ العشماوي منشوره بدعوة إلى اتباع سبيل الحب والرحمة في دعوة الناس إلى الله، مؤكدًا على أن “سوق العباد إلى ربهم على بساط الحب والرحمة خير ألف مرة من سوقهم إلى الله على سياط الخوف والرهبة”. إن هذه الكلمات الحكيمة تمثل ردًا قاطعًا على هذا الفكر المتطرف الذي يسعى إلى تضييق واسع رحمة الله على عباده.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية





