حرب الاستنزاف
تقرير: سامح طلعت
تُعد حرب الاستنزاف، التي بدأت في مارس 1969، بمثابة نقطة تحول حاسمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. لم تكن مجرد سلسلة من المناوشات والعمليات العسكرية المحدودة، بل كانت “مفتاح النصر” والخطوة الأولى الحاسمة نحو العبور العظيم في أكتوبر 1973. خلال هذه الحرب، خاضت القوات المسلحة المصرية معارك حقيقية على أرض سيناء الشرقية، كشفت خلالها عن نقاط قوة وضعف العدو الإسرائيلي، وتجرأت على قواته المدججة بأحدث الأسلحة، وجربت أساليبه وخططه على أرض الواقع، لتتراكم الخبرات وتتضح الرؤى حتى تحقق النصر المبين في السادس من أكتوبر عام 1973.
نشأة حرب الاستنزاف: رؤية استراتيجية لتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي
أطلق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مصطلح “حرب الاستنزاف” على سلسلة العمليات العسكرية التي دارت رحاها بين القوات المصرية المتمركزة شرق قناة السويس والقوات الإسرائيلية التي احتلت منطقة سيناء عقب حرب يونيو 1967، والتي أسفرت عن احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية شاسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء. استمرت هذه المواجهات حتى السابع من أغسطس عام 1970، عندما انتهت بقبول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والملك حسين لمبادرة روجرز لوقف إطلاق النار.
انطلقت حرب الاستنزاف من رؤية استراتيجية عميقة مفادها أنه إذا كانت مصر عازمة على خوض معركة شاملة لتحرير أرضها واستعادة كبريائها، فإن الخطوة الأولى والضرورية لتحقيق هذا الهدف هي تحطيم صورة “المقاتل الإسرائيلي السوبر” التي ترسخت في الأذهان بعد هزيمة يونيو 1967، وقبل أن تترسخ بعمق في عقول المقاتلين المصريين. ولتحقيق هذا الهدف الطموح، رأى القادة العسكريون المصريون أنه من الضروري البدء في شن عمليات فدائية جريئة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة في شرق قناة السويس. كان الهدف واضحًا: إيقاع أكبر قدر ممكن من القتلى والجرحى والأسرى في صفوف العدو، الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى استنزاف قواته ونزع تلك الهالة المصطنعة التي اكتسبوها في أعقاب انتصار يونيو 1967.
عمليات نوعية جريئة: من رأس العش إلى إيلات.. ضربات موجعة للاحتلال
تضمنت حرب الاستنزاف سلسلة متواصلة من الهجمات المتعددة والمبتكرة التي نفذتها مختلف الأسلحة المصرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في سيناء، وامتدت جرأة العمليات لتصل إلى مناطق بعيدة تمامًا عن منطقة الصراع المباشر، كما تجلى في عملية تفجير الحفار الإسرائيلي في المحيط الأطلنطي. وكان من أهم منجزات هذه المرحلة الحاسمة معركة رأس العش البطولية وعملية إيلات النوعية. ففي عملية إيلات، تمكن رجال الضفادع البشرية المصريون، بالتعاون مع قوات أردنية وعراقية ومنظمة التحرير الفلسطينية، من الهجوم على ميناء أم الرشراش الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم إيلات بعد احتلاله. نجحت العملية في تلغيم أجزاء من الميناء وإيقاع عدد من القتلى والجرحى في صفوف العسكريين الإسرائيليين، بالإضافة إلى إغراق بارجة إسرائيلية، مما وجه ضربة موجعة للجيش الإسرائيلي وأكد على قدرة مصر على الوصول إلى عمق الأراضي المحتلة.
من الصمود إلى الاستنزاف: مراحل تطور المواجهة المسلحة
مر الصراع المسلح بين مصر وإسرائيل بعدة مراحل تطورت تدريجيًا حتى وصلت إلى ذروتها في حرب الاستنزاف. بدأت مصر صراعها بمرحلة أطلق عليها اسم “مرحلة الصمود”، والتي هدفت بشكل أساسي إلى سرعة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية بعد الهزيمة، ووضع الهيكل الدفاعي اللازم لتأمين الضفة الغربية لقناة السويس. تطلبت هذه المرحلة الحساسة هدوءًا نسبيًا على الجبهة حتى يتسنى وضع خطة الدفاع موضع التنفيذ، بما تضمنته من أعمال هندسية وتجهيزات فنية ولوجستية مكثفة. استغرقت مرحلة الصمود الفترة الزمنية الممتدة من يونيو 1967 وحتى أغسطس 1968.
مرحلة الصمود: إعادة البناء ومعركة رأس العش.. بصيص أمل في أعقاب النكسة
على الرغم من طبيعتها الدفاعية، اشتملت مرحلة الصمود على بعض العمليات العسكرية الهامة التي كان لها تأثير كبير على المستويات المحلية والعربية والعالمية. وتأتي في مقدمة هذه العمليات البطولية معركة رأس العش. تُعد هذه المعركة أولى المواجهات العسكرية المباشرة التي خاضها الجيش المصري في وجه الجيش الإسرائيلي في أعقاب حرب يونيو 1967. حقق الجنود المصريون انتصارًا مشرفًا في هذه المواجهة، الأمر الذي كان له أثر بالغ الأهمية في رفع الروح المعنوية للجنود المصريين واستعادة ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على مواجهة العدو. مثلت معركة رأس العش علامة بارزة ومضيئة في فترة الصمود الصعبة التي أعقبت الهزيمة.
مرحلة الدفاع النشط: تنشيط الجبهة وإيقاع الخسائر بالعدو
بعد مرحلة الصمود، انتقلت القوات المسلحة المصرية إلى مرحلة جديدة أطلق عليها اسم “مرحلة الدفاع النشط” أو “المواجهة”. كان الهدف الرئيسي من هذه المرحلة هو تنشيط الجبهة الشرقية لقناة السويس والاشتباك بالنيران بشكل مستمر مع القوات الإسرائيلية المتمركزة على الضفة الشرقية. هدفت هذه العمليات إلى تقييد حركة قوات الاحتلال في الخطوط الأمامية، وتكبيدها أكبر قدر ممكن من الخسائر في الأفراد والمعدات، وإبقائها في حالة استنفار دائم. استغرقت مرحلة الدفاع النشط الفترة الممتدة من سبتمبر 1968 وحتى فبراير 1969، وكانت بمثابة تمهيد ضروري للمرحلة اللاحقة والأكثر شراسة، وهي حرب الاستنزاف.
اقرأأيضاً:





