
كتب : مينا ميلاد أ مين
في المنتدى الرقمي العالمي.. خبير مصري يدعو إلى تنظيم الاتصالات الفضائية وتعزيز التعاون الإقليمي وحماية السيادة الرقمية
موسكو – 10 أكتوبر 2026
شارك المستشار حسام الدين علام، عضو هيئة قضايا الدولة المصرية ومؤسس مبادرة القانون وبناء السلام، بصفته خبيرًا ومتحدثًا، في أعمال الدورة الثانية من المنتدى الرقمي العالمي، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من 8 إلى 10 أكتوبر 2026، بدعوة من وزارة التنمية الرقمية والاتصالات ووسائل الإعلام في الاتحاد الروسي.
وشارك علام في جلسة دولية رفيعة المستوى بعنوان «أنظمة اتصالات NGSO: من الطموحات الوطنية إلى التعاون الإقليمي»، والتي ناقشت الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة لمواكبة التطورات المتسارعة في الاتصالات الفضائية، وسبل تعزيز التنسيق بين الدول في تنظيم خدمات الأقمار الصناعية ذات المدارات غير الثابتة بالنسبة إلى الأرض.
الاتصالات الفضائية والتعاون الإقليمي
وتناولت الجلسة أهمية أنظمة الاتصالات الفضائية الحديثة، التي تتميز بانخفاض زمن انتقال الإشارة وارتفاع معدلات نقل البيانات واتساع نطاق التغطية، بما يعزز فرص توفير خدمات الاتصال للمناطق النائية، ويدعم قطاعات النقل والطوارئ والاتصالات الرقمية.
وعُقدت الجلسة بالشراكة مع رابطة الكومنولث الإقليمية في مجال الاتصالات (RCC)، وأدارتها ماريا بولشاكوفا، نائبة المدير العام للرابطة، بمشاركة عدد من المسؤولين والخبراء الدوليين، من بينهم ممثلون عن وزارتي الخارجية والاتصالات الروسيتين، ونائب وزير الاتصالات الكوبي، والمدير العام للمركز الغاني الروسي للتجارة والتعاون، إلى جانب المستشار حسام الدين علام.
إطار قانوني يوازن بين السيادة والابتكار
وركزت مداخلة علام على محورين رئيسيين، أولهما الأطر القانونية الدولية التي يمكن الاستناد إليها لتوحيد القواعد المنظمة لدخول مشغلي أنظمة الاتصالات الفضائية NGSO، وثانيهما الدروس المستفادة من التجربة المصرية في تنظيم هذا القطاع.
وأكد علام أن التحدي الرئيسي لا يتمثل في غياب القواعد القانونية الدولية، وإنما في تحقيق التنسيق الفعال بين الالتزامات الدولية القائمة والتشريعات الوطنية المنظمة لقطاع الاتصالات.
وأوضح أن الطبيعة العابرة للحدود لتكنولوجيا الأقمار الصناعية لا تلغي حق الدول في تنظيم خدمات الاتصالات المقدمة داخل أراضيها، مشددًا على ضرورة التمييز بين التنسيق الدولي لاستخدام الترددات وبين الحصول على ترخيص وطني لتقديم الخدمات، إذ لا يمنح التنسيق الدولي المشغل حقًا تلقائيًا لدخول الأسواق المحلية.
واستعرض في هذا السياق عددًا من الأطر القانونية والتنظيمية، من بينها قواعد الاتحاد الدولي للاتصالات المتعلقة بإدارة الطيف الترددي ومنع التداخلات الضارة، وقواعد قانون الفضاء الدولي الخاصة بمسؤولية الدول عن الأنشطة الفضائية والترخيص والإشراف عليها، فضلًا عن القواعد المرتبطة بالتجارة والمنافسة والشفافية والمعايير الفنية الدولية.
مقترح لملف إقليمي موحد
وطرح علام تصورًا لتعزيز التعاون الإقليمي في تنظيم خدمات الاتصالات الفضائية، يقوم على توحيد الحد الأدنى من متطلبات الترخيص والوثائق الفنية، وتنسيق إجراءات منع التداخلات، وتطوير التعاون في مجالات الأمن السيبراني وحماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات.
كما دعا إلى وضع شروط واضحة وعادلة لدخول الأسواق، مع إعطاء أولوية لتوسيع نطاق الاتصال في المناطق النائية والحد من الفجوة الرقمية.
وفي هذا الإطار، اقترح إعداد «ملف إقليمي موحد» يقدمه مشغلو أنظمة NGSO وفق متطلبات قانونية وفنية مشتركة، مع احتفاظ كل دولة بحقها المستقل في اتخاذ القرار النهائي بشأن الترخيص وفقًا لتشريعاتها الوطنية.
وأشار إلى أن هذا المقترح من شأنه تقليل تكرار الإجراءات وتسهيل التعاون بين الدول، دون المساس بسيادتها التنظيمية أو اختصاصاتها القانونية.
التجربة المصرية في تنظيم الاتصالات
وفي استعراضه للتجربة المصرية، أكد علام أن مصر تمتلك قاعدة دستورية وتشريعية وتنظيمية تتيح التعامل مع التحولات المتسارعة في قطاع الاتصالات، موضحًا أن هذا النهج يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسية: الترخيص، وتعدد المستويات التنظيمية، والتدرج في التعامل مع التقنيات الجديدة.
وأشار إلى أن الدستور المصري يجمع بين حماية أمن الفضاء المعلوماتي باعتباره جزءًا من الأمن القومي، وضمان خصوصية الاتصالات وحق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال، بما يعكس أهمية تحقيق التوازن بين مسؤولية الدولة عن الحماية وضرورة إتاحة الخدمات للمواطنين.
كما أوضح أن قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 وضع إطارًا قانونيًا لتنظيم خدمات الاتصالات والمعدات وإدارة الطيف الترددي من خلال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بما يدعم وضوح القواعد التنظيمية وتحديد المسؤوليات وآليات المساءلة.
فصل السعة الفضائية عن الخدمة
وسلط علام الضوء على أحد الجوانب التنظيمية المهمة في التجربة المصرية، والمتمثل في التمييز بين توفير سعة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وتقديم الخدمة مباشرة إلى المستخدم النهائي.
وأوضح أن هذا النهج يتيح الاستفادة من قدرات مشغلي الأقمار الصناعية الدوليين، مع استمرار تقديم الخدمات داخل إطار قانوني وطني ومن خلال الجهات المرخص لها محليًا، بما يعزز وضوح المتطلبات أمام المشغلين ويحافظ على اختصاص الدولة التنظيمي وحقوق المستخدمين.
كما تناول التعامل التدريجي مع التقنيات الحديثة، ومنها خدمات النطاق العريض عبر نطاق الترددات Ka-band، الذي يتيح سعات مرتفعة للاتصالات الفضائية، مشيرًا إلى القدرات المصرية في هذا المجال، وفي مقدمتها القمر الصناعي «طيبة-1».
مصر والتعاون الفضائي الأفريقي
وتطرق علام إلى البعد الأفريقي للتعاون في مجال الفضاء والاتصالات، مشيرًا إلى استضافة القاهرة مقر وكالة الفضاء الأفريقية، باعتبارها أحد أوجه الحضور المصري في دعم التعاون القاري في مجالات التكنولوجيا والفضاء.
وأكد أهمية توظيف هذا التعاون في تطوير خدمات الاتصال الفضائي وتعزيز الشمول الرقمي في أفريقيا، بما يساعد على توسيع فرص الوصول إلى الخدمات الرقمية ودعم التنمية في المجتمعات والمناطق الأقل اتصالًا.
أربع رسائل لتنظيم المستقبل الرقمي
وخلص علام من استعراض التجربة المصرية إلى أربع رسائل رئيسية، تتمثل في ضرورة وضع إطار تنظيمي واضح قبل فتح الأسواق، والفصل بين توفير السعة الفضائية وتقديم الخدمات للجمهور، والحفاظ على رسوم معقولة بالتوازي مع الالتزام بالضوابط التنظيمية، وضمان تكافؤ الفرص بين المشغلين.
وأكد أن التجربة المصرية تقدم نموذجًا يسعى إلى الجمع بين حماية السيادة الرقمية وتشجيع الابتكار والمنافسة، في ظل إطار قانوني ومؤسسي واضح يراعي مصالح الدولة وحقوق المواطنين.
وشدد على أن قدرة الدول على مواكبة التحولات الرقمية ترتبط بمدى نجاحها في استيعاب التكنولوجيا وتنظيمها، والاستفادة من فرصها التنموية، مع توفير الضمانات القانونية اللازمة لحماية المستخدمين.
اتصال عالمي تحكمه سيادة القانون
واختتم المستشار حسام الدين علام مداخلته بالتأكيد على أهمية بناء منظومة دولية للاتصالات الفضائية تقوم على سيادة القانون والثقة المتبادلة والتعاون الإقليمي، بما يضمن توسيع نطاق الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وتقليص الفجوة الرقمية.
وقال في ختام كلمته: «طموحنا يجب أن يكون اتصالًا عالميًا تحكمه سيادة القانون، وتعاونًا إقليميًا يقوم على الثقة المتبادلة، وشمولًا رقميًا لا يترك دولة أو مجتمعًا خلف الركب».





