الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي وقيادة في أصعب الفترات
تقرير: سامح طلعت
تُعد حرب الاستنزاف، التي دارت رحاها بين مصر وإسرائيل في الفترة الممتدة من عام 1967 وحتى عام 1970، مرحلة حاسمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنها لم تشهد معارك برية واسعة النطاق كالتي سبقتها أو تلتها، إلا أنها كانت حربًا ضروسًا بكل المقاييس، حربًا استنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية للطرفين، وشهدت بطولات وتضحيات جسيمة من جنود وضباط مصريين، ظل الكثير منهم في طي النسيان، يُعرفون فقط بلقب “أبطال حرب الاستنزاف المجهولين”.
في قلب هذه الفترة العصيبة، تولى قيادة القوات البحرية المصرية في أصعب الظروف التي مرت بها، رجلٌ ترك بصمة واضحة في تاريخ هذه القوات، إنه الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي. امتدت فترة قيادته للقوات البحرية من الثاني عشر من سبتمبر عام 1969 وحتى السادس والعشرين من أكتوبر عام 1972، وهي فترة حرجة شهدت تصاعد العمليات العسكرية البحرية المصرية ضد أهداف إسرائيلية، ردًا على الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة على العمق المصري.
لقد كانت مهمة الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي شاقة ومعقدة. فقد تسلم قيادة القوات البحرية بعد نكسة عام 1967، التي أثرت بشكل كبير على الروح المعنوية للجيش المصري بشكل عام وللقوات البحرية بشكل خاص. كان عليه أن يعيد بناء هذه القوات وتحديثها وتجهيزها لخوض معركة استنزاف طويلة الأمد، مع الحفاظ على الروح القتالية العالية لضباطه وجنوده.
لم تقتصر مسؤولية الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي على إعادة التنظيم والتسليح، بل امتدت لتشمل التخطيط والإشراف المباشر على العديد من العمليات البحرية الهامة التي نفذتها القوات البحرية خلال حرب الاستنزاف. لقد كان الرجل بحق مهندس العمليات البحرية المصرية في تلك الفترة، حيث كان له دور محوري في التخطيط لعمليات نوعية استهدفت العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، وأثبتت قدرة القوات البحرية المصرية على الردع وإلحاق الخسائر بالعدو.
من أبرز العمليات التي شارك الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي في التخطيط لها والإشراف عليها:
- الهجوم على ميناء إيلات: تُعد هذه العملية من أبرز العمليات البحرية المصرية خلال حرب الاستنزاف. فقد استهدفت الضفادع البشرية المصرية ميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر، ونجحت في تدمير وإلحاق أضرار بالغة بعدد من السفن والمنشآت الحيوية داخل الميناء. لقد كانت هذه العملية بمثابة صفعة قوية للقيادة الإسرائيلية، وأكدت على وصول الذراع الطويلة للقوات البحرية المصرية إلى أبعد النقاط الإسرائيلية.
- عملية إغراق المدمرة إيلات: تُعتبر عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية “إيلات” في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1967، قبل تولي الفريق فهمي القيادة، نقطة تحول هامة في تاريخ الصراع البحري بين مصر وإسرائيل. إلا أن الفريق فهمي استثمر هذه الروح الانتصارية وعمل على تطوير القدرات القتالية للقوات البحرية للاستمرار في توجيه الضربات الموجعة للعدو.
- عملية إغراق الحفار الإسرائيلي: في الثامن من مارس عام 1970، نجحت القوات البحرية المصرية في إغراق الحفار الإسرائيلي “كينج دايفيد” في خليج السويس. كانت هذه العملية بمثابة ضربة قاصمة للطموحات الإسرائيلية في استغلال الثروات الطبيعية في المناطق المحتلة، وأكدت على السيطرة المصرية على مياه الخليج.
- إغراق سفينة بحوث إسرائيلية أمام بحيرة البردويل: في عام 1970 أيضًا، تمكنت القوات البحرية المصرية من إغراق سفينة بحوث إسرائيلية كانت تعمل أمام بحيرة البردويل في شمال سيناء. كانت هذه العملية رسالة واضحة بأن أي تحركات إسرائيلية في المناطق الساحلية المصرية ستواجه برد حاسم من القوات البحرية.
لقد تميزت فترة قيادة الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي بالجرأة في التخطيط والتنفيذ، وبالقدرة على المبادرة والمفاجأة. استطاع تحت قيادته أن يحول القوات البحرية المصرية إلى قوة رادعة قادرة على إلحاق الخسائر بالعدو وشل حركته في البحر. كما عمل على رفع الروح المعنوية للضباط والجنود، وغرس فيهم الثقة في قدراتهم القتالية.
بعد انتهاء حرب الاستنزاف وتحديدًا في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1972، انتهت فترة قيادة الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي للقوات البحرية. إلا أن بصماته ظلت واضحة في تاريخ هذه القوات، وفي الذاكرة الوطنية المصرية. وقد تقلد لاحقًا منصب وزير النقل المصري الأسبق، ليواصل خدمة وطنه في مجال آخر.
في التاسع والعشرين من أبريل عام 2006، انتقل الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي إلى رحمة الله في مدينة الإسكندرية، تاركًا وراءه إرثًا عسكريًا ووطنيًا عظيمًا. وفي الثاني من يناير عام 2014، جاء التكريم المستحق لدوره الوطني، حيث صدق المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية آنذاك على منح رتبة الفريق فخري لاسم اللواء محمود عبد الرحمن فهمي، تقديرًا لدوره الحيوي خلال الإعداد والتخطيط والتجهيز للعمليات البطولية التي قامت بها القوات البحرية أثناء توليه قيادتها في أصعب الفترات.
إن ذكر اسم الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي يستدعي بالضرورة الحديث عن “أبطال حرب الاستنزاف المجهولين” من ضباط وصف وجنود القوات البحرية الذين نفذوا هذه العمليات البطولية بكل شجاعة وإخلاص. هؤلاء الجنود المجهولون هم الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية تنفيذ الخطط التي وضعتها القيادة، وهم الذين بذلوا أرواحهم فداءً للوطن. إن تضحياتهم وصمودهم كانت جزءًا لا يتجزأ من النجاحات التي حققتها القوات البحرية خلال حرب الاستنزاف.
إن تكريم الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي هو في حقيقته تكريم لكل هؤلاء الأبطال المجهولين الذين سطروا بدمائهم وتضحياتهم صفحات مشرقة في تاريخ العسكرية المصرية. إنهم يستحقون منا كل التقدير والاحترام والاعتزاز بدورهم الوطني العظيم.
في الختام، يمكن القول إن الفريق بحري محمود عبد الرحمن فهمي كان قائدًا فذًا في فترة عصيبة من تاريخ مصر. لقد استطاع بحكمته وشجاعته ورؤيته الثاقبة أن يقود القوات البحرية المصرية بكفاءة واقتدار خلال حرب الاستنزاف، وأن يحقق انتصارات هامة ساهمت في رفع الروح المعنوية للشعب المصري والقوات المسلحة. وسيظل اسمه محفورًا بأحرف من نور في سجل الأبطال الذين دافعوا عن تراب الوطن وحافظوا على كرامته وعزته. إن ذكراه ستظل حافزًا للأجيال القادمة من أبناء مصر الأوفياء.





