اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

نحن لا نتغير فجأة

نحن لا نتغير فجأة
بقلم د/ رشا النواوي
أحيانًا نتفاجأ بشخص كان قريبًا منا، ثم أصبح مختلفًا…
لم يعد يسأل كما كان، لم يعد يحتمل ما كان يحتمله، لم يعد يشرح، أو يبرر، أو يعاتب، وربما أصبح أكثر صمتًا وبرودًا، فنقول:
“هو اتغير فجأة!”
لكن الحقيقة أن الإنسان نادرًا ما يتغير فجأة… نحن لا نتغير فجأة… نحن نتعب أولًا.
نتعب من أشياء صغيرة تكررت كثيرًا، ومن مواقف مررناها دون أن نتحدث، ومن مشاعر أخفيناها حتى أقنعنا أنفسنا أننا تجاوزناها.
نتعب من أن نعطي دائمًا ونشعر أن ما نقدمه أصبح أمرًا مفروغًا منه.
نتعب من أن نشرح احتياجاتنا أكثر من مرة، ثم نكتشف أن الطرف الآخر يسمع كلماتنا لكنه لا يشعر بها.
نتعب من الخذلان المتكرر، ومن الاعتذار الذي يأتي بعد كل ألم دون أن يتغير السلوك.
نتعب من محاولة الحفاظ على علاقة لا يحاول الطرف الآخر الحفاظ عليها بنفس القدر.
وفي البداية…نحن لا ننسحب.نحاول.
نتحدث، نعاتب، نبرر، نمنح فرصًا، ونقول لأنفسنا:
“ربما المرة القادمة ستكون مختلفة.”
ثم تأتي لحظة لا نعرف متى بدأت…يتوقف الإنسان عن الشكوى.
وهنا يظن الآخرون أنه أصبح هادئًا، بينما الحقيقة أنه تعب من الكلام.
يتوقف عن العتاب، فيظنون أنه لم يعد يهتم.
بينما الحقيقة أنه تعب من انتظار التغيير.
يتوقف عن السؤال، فيظنون أنه أصبح باردًا.
بينما الحقيقة أنه تعلم أن الاهتمام من طرف واحد يستنزف القلب.
ويبدأ في الابتعاد…
ليس لأنه لم يعد يحب، ولكن لأنه أدرك أن الحب وحده لا يكفي عندما يغيب الأمان والاحترام والاحتواء.
أخطر مراحل التعب ليست الغضب…
الغضب يعني أن هناك شيئًا ما زال يهمنا.
أما عندما يتحول الغضب إلى صمت، والعتاب إلى لا مبالاة، والانتظار إلى استسلام…
فهنا نحن أمام إنسان استهلك كثيرًا من طاقته العاطفية. ولهذا، لا تحكم على تغير شخص من آخر موقف رأيته منه.
ربما أنت ترى النتيجة الآن، ولا ترى كل ما سبقها. لا ترى الليالي التي فكر فيها وحده.
ولا المحاولات التي لم تخبرك عنها.
ولا المرات التي ابتلع فيها حزنه حتى لا يخسر العلاقة.
ولا المرات التي قال فيها لنفسه: “هذه آخر مرة… سأحاول مرة أخرى.”
حتى جاءت لحظة لم يعد فيها قادرًا على المحاولة.
لذلك، قبل أن تقول لشخص: “أنت اتغيرت”…
اسأل نفسك: ماذا حدث له قبل أن يتغير؟
هل شعر أنه مسموع؟ هل شعر أنه مهم؟
هل كان يجد مساحة آمنة ليعبّر عن ألمه؟
هل كنت ترى احتياجاته قبل أن تتحول إلى مطالب؟
هل كنت تعتذر فقط عندما يغضب، أم كنت تحاول ألا تكرر ما يؤلمه؟
أحيانًا لا يكون الشخص الذي أمامنا قد تغير…
بل نحن الذين تأخرنا في ملاحظة تعبه.
والعلاقات لا تنهار دائمًا بسبب مشكلة كبيرة.
أحيانًا تنهار بسبب تراكم أشياء صغيرة لم يأخذها أحد على محمل الجد.
كلمة قاسية هنا، تجاهل هناك، وعد لم يُنفذ، احتياج لم يُفهم، مشاعر تم التقليل منها…
حتى يصبح القلب ممتلئًا بما يكفي ليقرر أخيرًا أن يحمي نفسه.
وفي النهاية… ليس كل تغير قسوة، وليس كل ابتعاد كراهية، وليس كل صمت غرورًا.
أحيانًا يكون التغير هو الطريقة الأخيرة التي يحاول بها الإنسان أن ينقذ ما تبقى منه.
لذلك، إذا لاحظت أن شخصًا تحبه قد تغير…لا تسأله فقط: “لماذا تغيرت؟”
ربما السؤال الأصدق هو:
“متى بدأت تتعب؟ وماذا فعلتُ أنا عندما كنت تتعب؟”
فبعض الناس لا يرحلون عندما يتوقفون عن الحب…
بل يرحلون عندما يتعبون من الألم الذي صاحب هذا الحب.
وأحيانًا، قبل أن نخسر إنسانًا إلى الأبد، لا نحتاج إلى محاضرة طويلة…
نحتاج فقط إلى أن ننتبه.
أن نسمع.
أن نعترف.
وأن نقول في الوقت المناسب:
“أنا لاحظت إنك تعبت… احكي لي، ماذا يؤلمك؟”
فربما يكون هذا السؤال البسيط هو الفارق بين علاقة تنتهي…
وعلاقة تبدأ من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى