أدب

قراءة في كتاب “سماء ثامنة” للكاتبة الفلسطينية “أهداب حوراني”

قراءة في كتاب “سماء ثامنة” للكاتبة الفلسطينية “أهداب حوراني”

كتب: أحمد النحاس … مدير عام جريدة مصر اليوم نيوز

 

بين دفتي كتاب “سماء ثامنة” تجد النفسُ مساحة تعبر فيها عن أعمق مخاوفها وأشد آلامها فتغوص في بحور من التأملات النفسية والعاطفية، تفتح النصوص أبوابها للقارئ وتأخذه في رحلة إلى عالم يتداخل فيه الحب بالألم، وتتشكل المشاعر بألوان تتأرجح بين الفقد والشوق، منذ الصفحة الأولى يظهر الكتاب كنافذة على الروح، تلك السماء التي لا يمكن أن تقف عند حدودها الأحاسيس، بل تتجاوزها إلى فضاءات لا تُحصى.

مقالات ذات صلة

عرفت منذ اللحظة الأولى أن “أهداب حوراني” لا تسعى فقط لسرد قصة حب، بل تتخذ من الحب أداة موجهة لطرح أسئلة وجودية تتعلق بالقدر، الهوية، والبحث عن الذات، وتقول: أنه في سمائها الثامنة لا يقتصر الحب على كونه مشاعر متبادلة بين شخصين، بل يظهر كقوة تعصف بالوجود ذاته، قوة لا تهدف إلى إشباع الرغبات بل إلى تفكيك الروح وإعادة تشكيلها.

ينساب السرد في “سماء ثامنة” كما لو أنه حديث قلب ينطلق من عمق الروح ليفتح أبوابًا على عوالم من المشاعر المعلقة بين السماء والأرض، يتقاطع الحب مع الألم، وتتعايش الرغبة مع الخوف، تحمل النصوص بين طياتها حوارًا دائمًا مع الذات، يعكس البحث المستمر عن معنى أكبر في الحياة، وكأن الكتابة نفسها هي الطريق الوحيدة لفهم الحزن المتأصل في القلب.

كل كلمة، كل جملة تبدو كأنها مرآة لمشاعر ضائعة تبحث عن ملجأ، الحب في “سماء ثامنة” ليس مجرد إحساس يتجاوز الزمان والمكان، بل هو حالة من الهروب المستمر من المثالية إلى واقع يمزق الروح وينفض عنها غبارها، ليعيد تشكيلها في صورة جديدة أكثر وضوحًا ولكنها مليئة بالندوب.

في السماء الثامنة تدعو “أهداب حوراني” ضيفها القارئ إلى التخلي عن مفاهيم الحب التقليدية التي نعرفها، وتفتح له أبوابًا إلى عالم لا يخضع لقواعد المجتمع أو المنطق، حيث يكون الحب كتلة من الفوضى، الجنون، والتفاني.

النصوص لا تعرض قصة حب فحسب، بل تحفر في أعماق التجربة الإنسانية كاشفًة عن التناقضات التي تعتري النفس البشرية، وتطرح مفهومًا جديدًا للعلاقة بين الحبيب والمحبوب، علاقة غير مكتملة وغير مروضة، تسير فوق حد السكين بين الشغف والوجع، كل نص على حدة يلامس القلب، يتردد به صدى المعاناة، ويعيش الحب في ذروته كقوة تغير معالم العالم الداخلي.

“سماء ثامنة” مساحة لتجربة الذات في مواجهة مشاعرها العميقة، تلك المشاعر التي لا تجد لها مأوى إلا في الحروف، تتقاطع الكلمات مع الذاكرة في محاولة لتضميد الجراح، لا يقتصر الأمر على الحبيب الغائب أو العلاقة المفقودة، بل يتجاوز ليصبح رحلة إلى الذات، بحثًا عن النقاء في خضم الفوضى العاطفية، تعيدنا النصوص إلى حقيقة جوهرية؛ أن الحب ليس فقط ما نبحث عنه في الآخر، بل هو ذلك الشعور العميق الذي يكشف لنا عن أنفسنا.

يبرز كتاب “سماء ثامنة” كأحد تلك الأعمال الأدبية التي لا تقف عند حدود السرد التقليدي، بل تفتح للقارئ آفاقًا واسعة للتأمل في العلاقة بين الذات والآخر، بين الحب والألم، وبين القدر والحرية، كما يعيد طرح فكرة أن الحب قوة تحولية ولكنها أيضًا مدمرة، كنوع من الحتمية الوجودية التي يمر بها الإنسان في حياته، هذا التباين العاطفي بين العلو والدنو، الحياة والموت، يمكن قراءته كتأمل في طبيعة الوجود نفسه، تتجاوز النصوص القصص الفردية لتصبح مرآةً تعكس التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها، وتؤكد أن الحب ليس نهاية الرحلة، بل هو بداية لتفكيك الذات وبنائها من جديد، كما ذكرت سابقًا.

ختامًا: يمكنني القول أن هذا الكتاب لا يُقرأ بقدر ما يُعاش، إذ يعبر عن عالم داخلي يموج بالمشاعر المتضاربة والأسئلة الوجودية، ويؤكد أن “السماء الثامنة” ليست مجرد مكان ميتافيزيقي، بل هي الحالة النهائية التي يبلغها القلب بعد أن يجتاز كل مراحل الألم والفقد والجنون العاطفي، وأنها مساحة للبحث المستمر عن الحقيقة، وعن الحب الذي لا يعرف الحدود ولا يرضى بالقواعد، وأنه محاولة مستمرة للكتابة على سماء جديدة، سماء ليست كما نعرفها، بل الثامنة التي تعج بالأسرار والتجارب الإنسانية التي لم تكتب بعد، ولكنها تعاش في كل لحظة.

قراءة في كتاب "سماء ثامنة" للكاتبة الفلسطينية "أهداب حوراني"

قراءة في كتاب “سماء ثامنة”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى