أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونقصة قصيرةقصص ورواياتقصور الثقافةمجلة الأديب العربيمجموعة قصصيةمنوعاتنثرنجوم الأسبوع العربي

النافذة التى ابتلعتنى

بقلم / أحمد درويش العربى

لم يكن في الأمر ما يلفت الانتباه أول الأمر، غير أنني — هكذا فجأة — تعلّقت بها.
في صباحٍ لا أذكر تاريخه، لمحتُ ظلّها خلف ستائرٍ رماديةٍ تغطي نافذة الشقة المقابلة لنافذتي، في البناية المواجهة لبنايتي القديمة.

في البداية، راودني العجب من سكونها الغريب.
كانت تقف في الموضع ذاته، لا تتحرك، لا تلتفت، لا تُبدي أثرًا لحياة.
تساءلت بيني وبين نفسي: هل تراني؟ هل تراقبني؟ أم أن عينيها معلّقتان بشيءٍ آخر خلف تلك الستائر، لم أُدركه بعد؟

بدأت قصتي معها بريبةٍ وفضول، ثم انقلب الأمر إلى شغفٍ غامضٍ لا تفسير له.
كان قوامها يبدو من خلال القماش الخفيف، يكفي لأن يثير خيالي، ويشعل في داخلي نارًا لا تهدأ.
كنت ألعن تلك الستائر التي حرمتني من وجهها، وأقسم في نفسي أن وراءها أجمل الملامح التي يمكن أن تصنعها السماء.

أصبحت أسير نافذتي.
عيناي لا تغادران مكانها، وقلبي معلّق بظلٍّ لا أعرف مَن يكون.
كلما أقبل الصباح، جلست في مكاني ذاته أرقبها، أترقب أي حركةٍ صغيرةٍ يمكن أن تُنقذني من هذا الانتظار الصامت.

فكّرت غير مرةٍ أن أذهب إليها، أن أطرق بابها لأكسر حاجز الغموض بيني وبينها، لكن شيئًا في داخلي كان يشلّ قدميّ كل مرة.
كنت أخشى أن أبدو مجنونًا، أو أن أكتشف ما لا أحتمل معرفته.

يوماً بعد يوم، كانت النافذة تبتلعني أكثر.
لم أعد أذهب إلى عملي، ولم أعد أجد رغبة في الطعام أو النوم.
جسدي ينحلّ ببطء، لكن قلبي لا يزال يترقب اللحظة التي ترتفع فيها الستائر لأراها.
أحيانًا كنت أشعر بأنني أسمعها تتنفس، أو تهمس بصوتٍ بعيد، لكن حين أفتح عيني، لا أجد سوى ظلالٍ ساكنةٍ خلف الزجاج.

هكذا مرّت الأيام والشهور، وأنا سجين نافذتي…
أُطلّ منها كل صباحٍ على نافذتها التي ابتلعتني، ولا أدري متى ستلفظني.

مشهد آخر – قبل ذلك الوقت

في صباحٍ آخر، توقفت شاحنة نقلٍ كبيرة أمام البناية رقم60
كان عمالٌ يحملون أثاثًا فاخرًا ولفائف من الأقمشة.
على صندوق الشاحنة كُتب اسمٌ مألوف: صافي هارون – مصممة الأزياء
كانت قد قرّرت نقل أتيلييه الأزياء الخاص بها إلى تلك البناية.

انشغل العمال طوال اليوم في ترتيب الصالة، ونصب المانيكانات التي تُعرض عليها التصاميم.
وفي المساء، حين بدأت الإضاءة تخفت، لاحظت صافي أن مانيكانًا واحدًا لم يجد له مكانًا في صالة العرض.
أشارت إلى إحدى العاملات قائلة:
ضعيه في الغرفة الجانبية مؤقتًا، تلك التي لا نستخدمها الآن.

امتثلت العاملة، وحملت المانيكان إلى الغرفة، ووقفت تفكر لحظة، ثم وضعته أمام النافذة المغطاة بستائر رمادية، كما طلبت.
كانت عيناه الزجاجيتان شاخصتين نحو الخارج، كأنما تنظران إلى شيءٍ بعيدٍ في البناية المقابلة.

ومنذ تلك الليلة، ظلّ المانيكان واقفًا في مكانه، جامدًا، لا حياة فيه…
بينما في المقابل، خلف النافذة الأخرى، يجلس الأستاذ هشام منصور،
ينتظر أن تُرفع الستائر يومًا ما،
ليرى وجه من أحبَّ وعشقَ حتى الذوبان…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى