الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

​حين يكون الخير ابتلاء

​حين يكون الخير ابتلاء
​بقلم: نعمة حسن
​في واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي الإسلامي الشعبي، تربّى كثير من الناس على أن الابتلاء لا يأتي إلا في صورة مرض، أو فقد، أو فقر، أو انهيار. فإذا ضاقت الدنيا قالوا: “هذا ابتلاء”، وإذا اتسعت قالوا: “هذا تكريم”.. وكأن الراحة دائمًا علامة رضا، وكأن الألم دائمًا إشارة غضب.
​لكن القرآن لم يقل ذلك أبدًا.
​بل ربما جاءت واحدة من أخطر الآيات التي تهز هذا التصور كله في قوله تعالى:
«وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»
​آية قصيرة، لكنها تقلب ميزانًا نفسيًا ودينيًا كاملًا. فالقرآن هنا لا يعتبر “الشر” وحده اختبارًا، بل يضع “الخير” في نفس المعادلة.
​المال فتنة.
​النجاح فتنة.
​الشهرة فتنة.
​النفوذ فتنة.
​الاستقرار نفسه قد يكون امتحانًا أخطر من الانكسار.
​منبع العمق الحقيقي
​وهنا يبدأ العمق الحقيقي؛ لأن أغلب البشر ينتبهون لله وهم يتألمون، لكن قليلين جدًا ينتبهون لأنفسهم وهم ينجحون. ولهذا كان السقوط أثناء النعمة أكثر شيوعًا من السقوط أثناء الألم؛ فالإنسان حين يُكسر قد يبحث عن الله، لكن حين يُفتح له كل شيء قد يظن — ولو داخليًا — أنه استحق كل شيء وحده.
​هنا يتجلّى الإعجاز النفسي العجيب في القرآن:
ففي زمن النزول، لم يكن أحد يتحدث عن “المرونة النفسية” أو “النمو بعد الصدمة” أو تأثير المعاناة في إعادة تشكيل الشخصية البشرية. بينما تشير دراسات حديثة في علم النفس إلى أن بعض البشر يخرجون من المحن بقدرات نفسية أعمق، ونضج إدراكي أعلى، وإعادة ترتيب لأولويات الحياة بصورة أكثر اتزانًا.
​العلم الحديث يسمّي ذلك مصطلحاً علمياً دقيقاً:
Post-Traumatic Growth أي “النمو ما بعد الصدمة”.
​وليس معنى ذلك أن الألم جميل، أو أن المعاناة مطلوبة، أو أن الإنسان يجب أن يبحث عن القسوة. بل المعنى الأدق: أن بعض الشدائد قد تتحول — في ظروف معينة — إلى عملية إعادة بناء داخلية. وهذا بالضبط ما سبق إليه القرآن حين رفض اختزال “الخير” في الراحة، و”الشر” في الهلاك.
​تفكيك الوعظ السطحي
​فالقرآن ينظر للإنسان بصورة أعقد بكثير من وعظنا السطحي المعاصر:
​هناك من يفسده الغنى أكثر مما يفسده الفقر.
​هناك من تنقذه الخسارة من غرور كان سيقتله.
​هناك من كان النجاح بداية سقوطه الحقيقي.
​هناك من كانت الصدمة أول لحظة وعي في حياته كلها.
​ولذلك لم يكن أعظم الأنبياء أكثر الناس راحة.. بل كانوا أكثرهم اختبارًا.
​والأدهى أن القرآن نفسه يربط أحيانًا بين النعمة والغفلة ربطًا مخيفًا في قوله تعالى:
«حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً»
​تأمل التعبير الإعجازي البليغ: “فرحوا بما أوتوا”.. لم يقل: ظلموا، لم يقل: قتلوا، لم يقل: كفروا علنًا.. بل بدأ الخطر من لحظة الاطمئنان الكامل للدنيا!
​وهنا تكمن إحدى أكثر الحقائق التي يتجاهلها البشر: أن النعمة ليست دائمًا رسالة قبول… أحيانًا تكون اختبار توقيت.
​هل ستظل متزنًا حين تمتلك؟
​هل ستبقى رحيمًا حين تصبح أقوى؟
​هل ستظل متواضعًا حين يصفق لك الجميع?
​هل ستعرف نفسك حين لا يعود هناك ألم يوقظك؟
​الوعي بالحياة وتحطيم مركزية الانفعال
​القرآن لا يربّي الإنسان على الخوف من الحياة، بل على الوعي بها؛ ولهذا لم يُقدّم الدنيا باعتبارها جنة، ولا باعتبارها جحيمًا، بل باعتبارها “امتحانًا ممتدًا”.
​حتي المشاعر نفسها ليست معيارًا نهائيًا للحقيقة؛ فقد تشعر بالراحة وأنت تبتعد، وقد تتألم وأنت تنضج، وقد تكره حدثًا كان سبب نجاتك كلها. وهذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل بناء قرآني متكامل متمثل في الآية المحكمة:
«وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ»
​إنه القرآن ذاته الذي يحطم مركزية الانفعال اللحظي، ويعيد الإنسان إلى زاوية أعمق: أنت لا ترى المشهد كاملًا.
​مفترق الطرق: الدين الحقيقي ضد الدين الاستهلاكي
​ولهذا فإن أحد أخطر التشوهات الدينية الحديثة هو تحويل الدين إلى معادلة مادية مباشرة: “إذا أحبك الله أعطاك.. وإذا غضب عليك منعك”، بينما التاريخ الديني كله يقول العكس أحيانًا:
​يوسف أُلقي في البئر قبل التمكين.
​موسى خاف وهرب قبل الرسالة.
​مريم واجهت الاتهام قبل المعجزة.
​رسول الإسلام ﷺ فقد الأب والأم والزوجة والعم، وحوصر وجاع وأُوذي، وهو أحب الخلق إلى الله.
​فأي منطق مادي قاصر يقول بعد ذلك إن الألم دائمًا علامة غضب؟!
​الحقيقة أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه فقط، بل بما يكشفه الامتحان داخله. وهنا يظهر الفارق الجوهري:
​الدين الاستهلاكي: يريد من الله حياة مريحة.
​الدين الحقيقي: يريد إنسانًا ناضجًا.
​أصعب أنواع النجاة
​ولهذا فإن أخطر لحظة قد يمر بها الإنسان ليست لحظة انكساره… بل لحظة شعوره أنه لم يعد يحتاج للمراجعة. هناك بشر أهلكهم النجاح بصمت، وأناس أنقذتهم الخسارة من أنفسهم، وهناك قلوب لم تُفتح إلا بعد أن انكسرت.

​ولذلك… ربما لم يكن السؤال الصحيح يومًا: “لماذا ابتلاني الله؟”
بل: “ماذا كشف هذا الابتلاء داخلي؟”
​وهنا نعود لنقف أمام الآية المرعبة في عمقها وميزانها النفسي:
«وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»
​فالاختبار لم يكن في الألم وحده… بل في كل شيء.
​وفي النهاية، ربما لا تكون النجاة الحقيقية أن تمر الحياة كما تشتهي، بل أن تخرج منها بقلب لم تفسده النعمة، ولم يكسره الألم، ولم يخدعه التصفيق، ولم تطفئه الخسارة..
​وهذه لعمري… أصعب أنواع النجاة.
​بقلم: نعمة حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى