
بقلم : أسماء شبيب
كان يهوى الصيد ليلا على شاطئ النيل فمنذ كان (عمرو) صغيرا في سن العاشرة كان يصحبه جده للصيد وكان يقص عليه قصصه وهو صغير وكيف أحب الصيد وأصبح هوايته المفضلة التي يلجأ إليها للتخلص من كل ضغوط الحياة وأعطي له النصائح في الصيد وأهمها أن يكون متحليا بالصبر والهدوء النفسي حتى يستطيع أن يحصل على ما يريد ويدخل السمك شباكه بإرادته لهدوء حركته وانتظاره وصبره الشديد فكانوا يجلسون بالساعات حتى يحصلوا على كمية كبيرة أو قليلة ومن الممكن أن يصطادوا سمكة أو اثنتين وأحيانا أخرى لا تدخل أية سمكة شباكهم .
*******
ظل (عمرو) طوال سنوات عمره يذهب للصيد مع جده حتى توفى جده وهو في العشرين من عمره وكان قد علمه فنون الصيد بالشبكة وبالصنارة وأيضا معرفة أماكن تواجد السمك أو عدم تواجده وأفضل أوقات الصيد ،فعشق الصيد بالصنارة أكثر وكان يذهب إليه كلما شعر بأنه في حاجة إلى أن يخرج من الضغط النفسي.
***
وفي إحدى ليالي شهر يناير القارس البرودة والظلام يلتف بعباءته حول المكان خرج (عمرو) من بيته غاضبا حانقا إثر مشادة كلامية مع والديه بعد منتصف الليل ومعه أدوات صيده متجها إلى شاطئ النيل بدراجته ليفرغ شحنة غضبه وتوتره في هوايته المفضلة الصيد ، فأخذ يبحث عن مكان خالٍ لا يوجد به أي شخص حتى وجده فترك دراجته بجوار شجرة قريبة منه وأخرج صنارته ووضع فيها الطعم وجلس على حافة السور الحجري للشاطئ وقذف بصنارته وهو يخرج زفيره المحمّل بكل ما يعتمل في نفسه ، وانتظر وبعد أكثر من ساعة اهتزت صنارته فأخذ يلف البكرة حتى ترتفع عاليًا ليرى ما اصطاده و ..
ـ لن تستطيع اصطياد أية سمكة الليلة عقابًا على تعديك ودخولك مكاني من غير إذني ،
من أنت..؟ وكيف تطاولت ودخلت مكاني..؟
انتفض(عمرو) فزعا من مكانه وكادت الصنارة تسقط من يديه لولا أن تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة وأمسك بها بشدة وهو يلتفت ليرى محدثه فلقد كان واثقا من عدم وجود أي شخص غيره في هذا المكان ، فالمكان شبه مهجور وهي المرة الأولى التي يأتي فيها إليه ويصطاد فيه وإذا بشخص يجلس هادئا بالقرب منه وتعجب في نفسه أنه لم يلاحظه ألبتة ، فأخذ يتفحصه بسرعة فكان يرتدي ملابس سوداء تماما وأكثر ما أثار دهشته وحيرته تلك القبعة السوداء التي كانت تغطي معظم وجهه فلم يتبين شيئا من ملامحه ولم يلتفت إليه ذلك الشخص فكان ينظر أمامه فقط.
******
حاول السيطرة على مشاعره وانفعالاته ليجبب سؤاله بسؤال آخر قائلا:- ومن أنت..؟ وكيف أتيت إلى هنا وأنا لم أشعر بك…؟ وكيف عرفت إني لن أصطاد شيئا الليلة..؟
لم يحاول محدثه الالتفات إليه ليرد على أسئلته بل قال بصوت رخيم عميق:-
ـ لا يهمك معرفة من أنا .
عليك فقط أنت تعرف أني صاحب هذا المكان منذ عشر سنوات حيث أقمت فيه وأنا لا أجئ هنا إلا ليلا لو حاول أحدهم الإقامة هنا أو الإصطياد.
وأضاف بعد صمته برهة:-
ـ مثلك تماما ،فأنا أحضر فقط لتحذيره بأنه لن يستطيع اصطياد أية سمكة .
قال له(عمرو) وهو يلقي بصنارته بلامبالاة في الماء مرة أخرى:-
ـ أعتذر لك عن دخولي مكانك فأنا لم أكن أعرف أنه ملك لك ،لأني أول مرة أصطاد هنا ولا أعرف من صاحب المكان،هلا سمحت لي بنصف ساعة لأجرب حظي ثم سأذهب من هنا ولن أتأخر.
***
انتظر(عمرو) رده الذي طال لمدة دقيقتين ثم تكلم بنفس نبرة الصوت العميق الذي شعر وكأنه آتي من بئر سحيق قائلا :-
ـ حسنا، أنت أردت ذلك .
هزّ(عمرو) رأسه بالموافقة وكأنه يراه ثم التفت إلى صنارته التي غمزت تلك المرة فأخرجها فإذا بها سمكة كبيرة من النادر اصطياده لمثلها وفي غمرة فرحته،
سمعه يقول له :-
ـ مرحى،مرحى،هنيئا لك على صيدك الثمين،
ناولني سيجارة من جيبك.
فأخرج له (عمرو)علبة سجائر من جيبه واندهش متى وضعها في جيب سرواله..؟
فناولها(عمرو) إياه بيد ويده الأخرى ترمي الصنارة في الماء مرة أخرى فلم يشعر بيده وهي تأخذ العلبة ولم يهتم بذلك وأكمل الصيد حتى انتهاء النصف ساعة المتفق عليها فأغلق صندوق صيده وقد شعر بفرحة غامرة لاصطياده أكثر من سبعة أسماك بهذا الحجم الكبير والذي لأول مرة يوفق في صيد كهذا.
******
فقام واقفا وهويمسك بيده أدوات صيده وصندوق الأسماك والتفت ليشكر ذلك الشخص المجهول ولكن المفاجأة ألجمت لسانه………..
إلى اللقاء في الجزء الثاني





