
اقتصاد الامومة
دينا اسامة تكتب.. اقتصاد الامومة.. هل عمل الام داخل المنزل له قيمة اقتصادية؟
اعتاد كثير من الناس النظر الى عمل الام داخل المنزل باعتباره واجبا اسريا او دورا اجتماعيا لا يرتبط بالمفاهيم الاقتصادية التقليدية، بينما تشير العديد من الدراسات الحديثة الى ان هذا العمل يمثل نشاطا اقتصاديا حقيقيا يساهم بصورة مباشرة في استقرار الاسرة والمجتمع، رغم انه لا يظهر في الرواتب او الحسابات القومية الرسمية.
فالام داخل المنزل لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تمارس ادوارا متعددة تشمل الرعاية والتربية والتنظيم والاشراف والمتابعة والتعليم والدعم النفسي، وهي مهام لو تم الاستعانة بمتخصصين لتنفيذها لاحتاجت الاسرة الى تحمل تكاليف مالية كبيرة.
ومن هنا ظهر مفهوم “اقتصاد الامومة” الذي يسعى الى قياس القيمة الاقتصادية للعمل غير المدفوع الاجر الذي تقوم به الام داخل المنزل.
وتعرف الاعمال غير المدفوعة الاجر بانها الانشطة التي تنتج قيمة حقيقية للافراد والمجتمع دون الحصول على مقابل مالي مباشر. وتشمل رعاية الاطفال، والاهتمام بكبار السن، وادارة شؤون المنزل، ومتابعة التعليم، وتنظيم الاستهلاك الاسري.
ورغم ان هذه الاعمال لا تدخل ضمن المؤشرات الاقتصادية التقليدية، فانها تسهم في دعم الاقتصاد بصورة غير مباشرة من خلال الحفاظ على استقرار الاسرة وتنمية راس المال البشري.
وقد اشار عدد من الباحثين الاقتصاديين الى ان تجاهل القيمة الاقتصادية للعمل المنزلي لا يعني غياب هذه القيمة، بل يعكس صعوبة قياسها وفقا للادوات المحاسبية التقليدية.
فلو قامت الاسرة بتعيين مربية للاطفال، او معلمة خاصة، او مدبرة منزل، او مشرفة رعاية، لظهرت هذه التكاليف ضمن الانفاق الاسري بصورة واضحة.
لكن عندما تؤدي الام هذه الادوار بنفسها، تختفي القيمة المالية من الحسابات رغم استمرار وجودها على ارض الواقع.
ومن منظور اقتصادي، يمكن تقدير قيمة العمل المنزلي من خلال ما يعرف بتكلفة الاستبدال، اي حساب التكلفة التي ستتحملها الاسرة اذا استعانت بافراد اخرين لتنفيذ المهام نفسها.
وتشير بعض الدراسات الدولية الى ان ادراج قيمة العمل المنزلي غير المدفوع الاجر ضمن الحسابات الاقتصادية قد يضيف نسبا ملحوظة الى الناتج الاقتصادي في العديد من الدول.
كما لا تقتصر قيمة الامومة على الجوانب التشغيلية داخل المنزل، بل تمتد الى الاستثمار طويل الاجل في العنصر البشري.
فالام تسهم في تنمية مهارات الابناء وتعليمهم وغرس القيم والسلوكيات الايجابية لديهم، وهو ما ينعكس مستقبلا على مستوى التعليم والانتاجية والمشاركة الاقتصادية.
وبذلك تصبح الامومة استثمارا في راس المال البشري، وهو احد اهم الاصول التي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية الحديثة.
ورغم هذه الاهمية، لا تزال بعض المجتمعات تنظر الى العمل المنزلي باعتباره نشاطا غير منتج لانه لا يدر دخلا مباشرا.
غير ان الفكر الاقتصادي المعاصر بدا في اعادة النظر في هذا التصور، من خلال الاعتراف بالدور الاقتصادي للرعاية والاعمال المنزلية في دعم استقرار المجتمعات واستمرار النشاط الاقتصادي.
وترى الكاتبة ان القيمة الحقيقية للام لا يمكن اختزالها في رقم مالي، فدورها يتجاوز الحسابات الاقتصادية ليشمل بناء الانسان نفسه.
ومع ذلك، فان الاعتراف بالقيمة الاقتصادية لعمل الام داخل المنزل يسهم في تقدير هذا الجهد وفهم دوره في تحقيق الاستقرار الاسري والتنمية المجتمعية.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول ان الامومة ليست فقط رسالة انسانية واجتماعية عظيمة، بل هي ايضا نشاط اقتصادي مؤثر يخلق قيمة حقيقية وان كانت غير ظاهرة في القوائم المالية.
فخلف كل اسرة مستقرة يوجد جهد يومي متواصل تبذله ام قد لا تتقاضى اجرا، لكنها تسهم في بناء اغلى راس مال يمكن ان يمتلكه المجتمع وهو الانسان.
دينا اسامة
كاتبة بقلب ام
المراجع:
Gary Becker – Human Capital Theory
United Nations Reports on Unpaid Care Work
International Labour Organization (ILO)
OECD Studies on Household and Care Economy





