الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

الملتقى في منهل العلم

الملتقى في منهل العلم

بقلم الكاتب / احمد جابر قلاش

هل تتذكر أول يوم لك في المدرسة؟
ذلك اليوم الذي امتزج فيه الخوف بالتوجس، والاستكشاف بالفضول؟ يوم خرجنا من دفء البيت إلى عالم جديد لا نعرف عنه شيئًا، نحمل حقيبة أكبر من أجسادنا أحيانًا، وننظر إلى الوجوه من حولنا في محاولة لاكتشاف: من سيكون صديقي؟ ومن سيكون معلمي؟ وماذا ينتظرني خلف باب الفصل؟
وفي الخلفية، كان صوت الراديو يملأ البيت، والمطربة نجاح سلام تشدو: «بالسلامة يا حبيبي بالسلامة.. تروح وترجع بالسلامة».
لم تكن الأغنية يومها مجرد أغنية تُذاع في الصباح؛ كانت وكأنها تخرج من لسان كل أم وهي تودّع ابنها أو ابنتها عند باب البيت، تضع في كلماتها خوفها، ودعاءها، وأمنيتها الصغيرة أن يعود طفلها إليها سالمًا كما خرج.
هكذا بدأت حكايتنا مع المدرسة… بخطوات صغيرة، وقلوب مرتبكة، وعيون تتطلع إلى عالم لم نكن نعرف أنه سيترك في ذاكرتنا كل هذه السنوات.
أما في المرحلة الإعدادية، فقد تغيّر شيء في داخلنا.
لم نعد ذلك الطفل الذي يقف أمام باب المدرسة متوجسًا من عالم لا يعرفه. أصبحنا نعرف الطريق، ونعرف وجوه الزملاء، وتكوّنت الصداقات، وصار لنا عالمنا الصغير الذي لا يراه الكبار كما نراه نحن.
عرفنا ما يدور خلف أبواب الفصول، وعرفنا أن المدرسة ليست مجرد سبورة وكتاب وجرس، وإنما هي حياة أخرى تتشكل فيها شخصياتنا دون أن نشعر.
ومع ذلك، كان الحنين إلى أيام الدراسة يزداد بدلًا من أن يقل.
وهنا تبدو المفارقة غريبة؛ فنحن نعيش اللحظة ونريد أن نعبرها سريعًا، ثم ما إن تعبر حتى نتمنى لو تعود.
في المرحلة الإعدادية بدأ المستقبل يطرق أبواب خيالنا. لم يعد السؤال: «متى تنتهي الحصة؟» فقط، بل بدأ سؤال آخر يكبر في الداخل: ماذا سأكون حين أكبر؟ وأين سأذهب؟ وما الذي ينتظرني في الطريق؟
كان المستقبل يومها واسعًا كسماء لا حدود لها، وكانت أحلامنا أكبر من أعمارنا، لأننا لم نكن قد عرفنا بعد أن الطريق لا يُقاس بما نحلم به فقط، وإنما بما نستطيع أن نصبر عليه ونسعى إليه.
ولعل أجمل ما في المدرسة أنها لم تكن تعلمنا ما في الكتب وحدها؛ كانت تعلمنا، من حيث لا ندري، كيف نصادق، وكيف نختلف، وكيف نخسر، وكيف نبدأ من جديد.
كانت المدرسة أول ملتقى حقيقي بين الإنسان والعالم… ومنهلًا لا نرتوي منه بالمعلومات وحدها، بل بالذكريات التي تظل تسقينا كلما تقدم بنا العمر.
تنتهي مرحلة، فتبدأ مرحلة جديدة… لكنها هذه المرة أكثر تعقيدًا.
تأتي الثانوية، وكأنها بوابة ضيقة نعبر منها من عالم الطفولة إلى عالم لا نعرف قوانينه بعد. تتداخل الأفكار والأحداث، ويتغير نمط الحياة، وتتغير معه شخصية الطالب شيئًا فشيئًا.
إنها سنوات المراهقة؛ ذلك العمر الغريب الذي لا يكون فيه الإنسان طفلًا كاملًا، ولا يصبح رجلًا أو امرأة مكتملَي الملامح بعد. جسد يتغير، ومشاعر تتبدل، وأسئلة تتكاثر، وأفكار تبحث عن إجابات.
تبدأ التحولات النفسية والفسيولوجية في فرض حضورها، فيجد الطالب نفسه أحيانًا أمام متاهة لا يعرف أين تبدأ ولا أين تنتهي. يريد أن يفهم نفسه، ويريد أن يفهم الآخرين، ويريد في الوقت ذاته أن يثبت أنه أصبح قادرًا على اتخاذ قراراته بنفسه.
ثم تبدأ الدراسة من جديد، لكن هذه المرة بنظرة مختلفة.
لم يعد الكتاب مجرد واجب مدرسي، ولم يعد المعلم مجرد شخص يقف أمام السبورة. أصبح للدرجات معنى، وللاختيار معنى، وللمستقبل ظل ثقيل يقف خلف كل امتحان.
وفي وسط كل ذلك، كان الطالب يبحث عن شيء أبعد من النجاح في ورقة الامتحان؛ كان يبحث عن نفسه.
وهنا تصبح المدرسة أكثر من مكان نتلقى فيه العلم… تصبح مختبرًا صغيرًا للإنسان، تتشكل داخله شخصيته، وتنكشف فيه نقاط قوته وضعفه، ويبدأ للمرة الأولى في إدراك أن العلم ليس طريقًا للحصول على شهادة فحسب، بل وسيلة لفهم هذا العالم وفهم ذاته داخله.
وفي النهاية، نكتشف أننا لم نكن نذهب إلى المدرسة كل صباح من أجل درس ينتهي بجرس، أو امتحان ينتهي بورقة إجابة، أو شهادة نضعها في درج ونمضي.
كنا نذهب إليها لنكبر.
كبرت أجسادنا، وتغيرت أفكارنا، وتبدلت أحلامنا، وتفرقت بنا الطرق. بعضنا أكمل تعليمه، وبعضنا أخذته الحياة إلى طريق آخر، وبعض الوجوه التي كانت تملأ فناء المدرسة اختفت من المشهد، لكنها لم تختفِ من الذاكرة.
ومرت السنوات، وأصبحنا نحن الآباء والأمهات، ووقفنا في المكان الذي وقفت فيه أمهاتنا يومًا، نودع أبناءنا أمام باب المدرسة، ونحاول أن نخفي وراء ابتسامة صغيرة خوفًا كبيرًا.
وربما في تلك اللحظة نفهم أخيرًا معنى تلك الأغنية القديمة التي كانت تملأ صباحاتنا:
«بالسلامة يا حبيبي بالسلامة… تروح وترجع بالسلامة».
نفهم أنها لم تكن مجرد أغنية، بل كانت دعاء أم، ووصية قلب، واختصارًا لكل ما يعجز الكلام عن قوله.

ثم ننظر إلى أبنائنا وهم يدخلون المدرسة، فنرى في خطواتهم خطواتنا القديمة، وفي خوفهم خوفنا، وفي أحلامهم شيئًا من أحلامنا التي كبرت معنا.
وهكذا تدور الأيام…
جيل يسلّم الراية لجيل، ومعلم يترك أثرًا في تلميذ، وتلميذ يصبح أبًا، ثم يقف يومًا ليودع ابنه عند الباب نفسه.
وربما لهذا كان الملتقى في منهل العلم؛ لأن العلم لا يجمعنا في الكتب والفصول فقط، وإنما يجمع أعمارًا كاملة، وذكريات لا تموت، وأجيالًا تتعاقب، وأرواحًا تركت فينا شيئًا منها.
فالمدرسة قد تنتهي، والدفاتر قد تُغلق، والجرس قد يصمت، لكن ما تعلمناه حقًا لا يغادرنا.
يبقى المعلم في كلمة نقولها، ويبقى الصديق في ذكرى نستعيدها، ويبقى الدرس في موقف من مواقف الحياة، وتبقى المدرسة في داخلنا… كلما اشتقنا إلى زمن كنا فيه أبسط، وأحلامنا أكبر، وقلوبنا أكثر قدرة على الفرح.
وفي آخر الطريق، حين نلتفت إلى الوراء، ربما لا نتذكر كل ما كُتب علىالسبورة، لكننا نتذكر من وقف بجوارنا، ومن علّمنا، ومن شجعنا، ومن أحبنا دون أن نعرف.
وهنا ندرك أن أعظم ما منحتنا إياه المدرسة لم يكن علمًا نحفظه، وإنما إنسانًا أصبحنا عليه.
فطوبى لمن كان له في هذا المنهل نصيب، وطوبى لمعلمٍ ظن أنه يشرح درسًا، فإذا به يصنع إنسانًا، وطوبى لذاكرةٍ لا تزال، بعد كل هذه السنين، تفتح لنا باب المدرسة من جديد.
فالملتقى في منهل العلم… ومنه تبدأ الحكاية، وإليه تعود الذكريات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى