
هل يسرق أحد عمر الأرض؟
بقلم / نعمه حسن
الأرض تغيّر سرعتها.. والزلازل تحرّك توازنها.. والإنسان يدخل معادلة الزمن. فهل نقترب من تحوّل لا ندرك أبعاده؟
ماذا لو اكتشفنا أن الساعة التي نقيس بها أعمارنا ليست ثابتة كما اعتقدنا؟ وأن الأرض التي نحسب دورانها أساسًا لليل والنهار تُنهي بعض أيامها قبل موعدها بأجزاء من الثانية؟ بل إن زلزالًا واحدًا يستطيع أن يُحدث تغييرًا في دوران كوكب بأكمله!
من الذي يعبث إذن بساعة الأرض؟ وهل تقف وراء ذلك قوى الطبيعة وحدها، أم أن الإنسان، بتجاربه النووية وحروبه وتدخله المتزايد في توازن الكوكب، أصبح شريكًا في معادلة لم يكن يتصور يومًا أنه يستطيع الاقتراب منها؟
والأخطر من ذلك: هل يتغير الزمن الذي نعيشه فعلًا؟ وهل لقصر الأيام علاقة بالجاذبية وأعمار البشر والوفيات المفاجئة التي تثير القلق؟
أسئلة قد تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، لولا أن مؤسسات علمية بحجم وكالة ناسا باتت تدرس تفاصيلها بأجهزة تستطيع رصد فروق زمنية أدق من طرفة عين بملايين المرات.
لكن ما تكشفه الأبحاث أعجب من الإثارة نفسها؛ فنحن نعيش فوق كوكب تتحرك كتلته من الداخل والخارج باستمرار، وتترك هذه التحركات بصمتها على دورانه، حتى وإن عجزت حواسنا عن إدراكها.
حين سبقت الأرض عقارب الساعة
في التاسع والعشرين من يونيو عام ٢٠٢٢، سجّلت الأرض يومًا أقصر من أربع وعشرين ساعة بنحو ١،٥٩ ملّي ثانية. وتكرر الرقم تقريبًا في اليوم التالي.
وفي الخامس من يوليو عام ٢٠٢٤، وصل الفارق إلى نحو ١،٦٦ ملّي ثانية، ليسجل ذلك اليوم أقصر مدة دوران يومية في سجلات القياس الحديثة بالساعات الذرية.
لنتأمل المفارقة: نحن لا نتحدث عن ساعة ضائعة، ولا حتى عن ثانية كاملة، وإنما عن أجزاء من ألف من الثانية.
ومع ذلك فإن أهمية الاكتشاف لا تكمن في مقدار الزمن، بل في الحقيقة التي يكشفها: سرعة دوران الأرض ليست ثابتة تمامًا، حتى خلال فترات قصيرة نسبيًا.
لكن هل يعني هذا أن الأرض تتسارع باستمرار وأن الأيام تتجه إلى القصر دون توقف؟
الإجابة لا.
فقد أظهرت بيانات عام ٢٠٢٥ أن الأيام القياسية الأقصر أصبحت أطول قليلًا من نظيرتها في ٢٠٢٤، بينما كشفت بيانات ٢٠٢٦ عن تباطؤ نسبي جديد في دوران الأرض.
أي إن الكوكب لا يسير في اتجاه واحد، وإنما تتداخل في حركته عوامل متعددة، بعضها يُقصّر اليوم، وبعضها يطيله.
وهنا نصل إلى ما هو أكثر غرابة.
زلزال غيّر اليوم.. وحرّك توازن الأرض
في السادس والعشرين من ديسمبر عام ٢٠٢٤، ضرب زلزال هائل منطقة سومطرة الإندونيسية، وأطلق موجات تسونامي اجتاحت سواحل المحيط الهندي، مخلفة واحدة من أفدح الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث.
كانت الأنظار تتجه إلى الضحايا والمدن المدمرة، لكن العلماء كانوا يدرسون أثرًا آخر لا تلتقطه الكاميرات.
فبسبب التحرك العنيف للصخور في أعماق الأرض، تغير توزيع جزء من كتلة الكوكب.
وجاءت حسابات مختبر الدفع النفاث التابع لناسا بنتيجة مذهلة: الزلزال كان قادرًا على تقصير طول اليوم بنحو ٢.٦٨ ميكروثانية، أي أقل من ثلاثة أجزاء من مليون جزء من الثانية.
وللدقة، لم يكن ذلك تغيرًا رُصد مباشرة في طول اليوم، وإنما نتيجة حسابات فيزيائية مبنية على طبيعة الزلزال وحركة الصخور.
ثم جاءت كارثة اليابان في مارس ٢٠١١.
زلزال بقوة تسع درجات تقريبًا، أعقبته أمواج تسونامي مدمرة. وفي أعقاب الكارثة، قدّرت حسابات ناسا أن اليوم ربما أصبح أقصر بنحو ١،٨ ميكروثانية، وأن محور اتزان كتلة الأرض تحرك حوالي ١٧ سنتيمترًا.
وهنا تفصيل بالغ الأهمية: المحور الذي تغير موضعه هو محور اتزان كتلة الأرض، وليس ميل محورها في الفضاء كما قد يتبادر إلى الأذهان.
لكن كيف يمكن لزلزال، مهما بلغت قوته، أن يؤثر في دوران كوكب كامل؟
لنفهم الأمر، نتذكر لاعب التزلج الذي يدور حول نفسه. عندما يضم ذراعيه إلى جسده، تزداد سرعة دورانه، وعندما يمدهما إلى الخارج، تتباطأ.
الأرض تخضع لمبدأ فيزيائي مشابه، يتعلق بتوزيع الكتلة وعزم القصور الذاتي وحفظ الزخم الزاوي.
فعندما تتحرك كتل هائلة من الصخور أو المياه أو الجليد، يمكن أن تتغير سرعة الدوران بمقادير ضئيلة.
والمذهل أن ذلك كله يحدث دون أن نشعر بشيء.
هل هناك من يصنع الزلازل؟
هنا ندخل المنطقة الأكثر إثارة وحساسية في التحقيق.
لطالما أُثيرت تساؤلات حول قدرة الدول الكبرى على التأثير في الظواهر الطبيعية، خصوصًا مع تطور التجارب النووية تحت الأرض والأنشطة الصناعية التي تستطيع إحداث اهتزازات زلزالية.
فهل يمكن بالفعل للإنسان أن يصنع زلزالًا؟
الإجابة العلمية: نعم، يستطيع النشاط البشري التسبب في بعض الهزات الأرضية أو تحفيز وقوعها في ظروف محددة.
وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن التفجيرات النووية تحت الأرض قد تُحدث هزات وتوابع زلزالية، إلا أن تأثيراتها المعروفة تظل محدودة نسبيًا، ولا توجد أدلة علمية موثوقة على استخدامها للتحكم في دوران الأرض أو تقصير أيامها.
بل إن إحدى أكبر التجارب النووية الأمريكية تحت الأرض، المعروفة باسم «كانيكين» عام ١٩٧١، لم تتسبب في سلسلة الزلازل الكبيرة التي كان البعض يخشاها في المنطقة المحيطة بها.
وهذا التمييز ضروري؛ فإثبات قدرة الإنسان على إحداث هزة أرضية لا يعني إثبات قدرته على توجيه الزلازل الكبرى أو التحكم في سرعة دوران الكوكب.
لكن المفاجأة أن العلماء اكتشفوا بالفعل طريقًا آخر يستطيع الإنسان من خلاله التأثير في دوران الأرض.
طريقًا لا يحتاج إلى قنبلة نووية واحدة!
الإنسان يغيّر دوران الأرض.. دون أن يقصد
في يوليو ٢٠٢٤، نشرت ناسا نتائج دراسات تناولت العلاقة بين تغير المناخ ودوران كوكبنا.
وكانت النتيجة لافتة: ذوبان الجليد القطبي والأنهار الجليدية، وانتقال المياه إلى المحيطات، واستنزاف المياه الجوفية، جميعها عوامل تؤثر في توزيع كتلة الأرض، وبالتالي في دورانها وموضع محور حركتها.
بل إن إحدى الدراسات وجدت أن إعادة توزيع المياه والجليد ساهمت منذ عام ٢٠٠٠ في اتجاه نحو إطالة اليوم، بمعدل يعادل نحو ١،٣٣ ملّي ثانية خلال قرن، وفق الاتجاه المحسوب للفترة التي دُرست.
وتربط الأبحاث جانبًا مهمًا من هذا التأثير بالاحترار العالمي الناتج عن انبعاثات الأنشطة البشرية.
تأملوا المفارقة.
الإنسان الذي لم يكن يملك قبل قرون سوى أدوات محدودة لتغيير سطح الأرض، أصبح اليوم قادرًا، عبر نشاطه الاقتصادي والصناعي وتأثيره المناخي التراكمي، على إحداث تغيرات ضئيلة في حركة الكوكب نفسه.
لم يعد أثرنا محصورًا في الغابات التي نزيلها، أو الهواء الذي نلوثه، أو المياه التي نستنزفها، بل امتد إلى توزيع الكتلة على الأرض وما يترتب عليه من تغيرات في دورانها.
وهنا ينبغي الانتباه إلى حقيقة دقيقة: التأثير المناخي الذي تحدثت عنه ناسا يميل إلى إطالة اليوم، وليس تفسيرًا مباشرًا لكل الأيام القصيرة التي سجلتها الأرض مؤخرًا.
فهناك عوامل أخرى تعمل في الوقت نفسه، من حركة الرياح والتيارات البحرية إلى تدفقات الحديد السائل في اللب الخارجي للأرض، فضلًا عن تأثير جاذبية القمر والمد والجزر.
وهكذا تصبح الأرض أشبه بمنظومة هائلة من التروس الطبيعية، لا يتحرك أي جزء منها بمعزل تمامًا عن الآخر.
هل تتغير الجاذبية.. وهل تقصر أعمارنا؟
لعل هذا هو السؤال الذي يلامس مخاوف الناس أكثر من جميع الأرقام.
إذا كان دوران الأرض يتغير، فهل تتغير معه الجاذبية التي تثبت أقدامنا على سطحها؟ وهل يؤدي تسارع دورانها إلى تغير أعمار البشر أو ازدياد احتمالات الموت المفاجئ؟
للإجابة، يجب التمييز بين الزمن كما تقيسه ساعاتنا، وطول اليوم الذي تحدده حركة الأرض.
فالثانية التي تقيسها الساعة الذرية لا تصبح أقصر لأن الأرض دارت أسرع قليلًا. وما يتغير هو المدة التي تستغرقها دورة الأرض مقارنةً بالمقياس الزمني المنتظم.
أما الجاذبية، فتتأثر بكتلة الأرض وتوزيعها والمسافة عن مركزها. وتُسهم الحركة الدورانية أيضًا في الوزن الظاهري الذي نشعر به، لكن التغيرات الصغيرة للغاية في سرعة الدوران لا تؤدي إلى اضطراب محسوس في جاذبية الأرض على أجسادنا.
ولا توجد أدلة علمية تثبت أن فروق الملّي ثانية في طول اليوم تؤدي إلى تسارع الشيخوخة أو تسبب الموت المفاجئ.
فالموت المفاجئ له أسباب طبية متعددة ينبغي بحثها في مجالات القلب والأوعية الدموية وغيرها، ولا يجوز تحميل تغيرات دوران الأرض مسؤولية ظاهرة لم يثبت ارتباطها بها.
لكن ثمة فارقًا بين ألا تؤثر هذه التغيرات في صحتنا بصورة محسوسة، وألا تكون ذات أهمية.
فالأنظمة التي تعتمد على قياس الزمن والموقع بدقة شديدة، ومنها الملاحة الفضائية وتقنيات تحديد المواقع، تحتاج إلى أخذ الاختلاف بين الزمن الذري ودوران الأرض في الحسبان.
فما لا يشعر به الإنسان في يومه العادي قد يصبح مهمًا في حسابات الأقمار الصناعية والملاحة والقياسات الفلكية.
لماذا لا تزال الأرض تحتفظ بأسرارها؟
نحن نعرف كيف نرسل المركبات إلى الفضاء، وكيف نلتقط صور المجرات البعيدة، وكيف نقيس حركة القمر والكواكب، ومع ذلك ما زالت هناك أسئلة مفتوحة حول التغيرات الدقيقة في دوران الأرض.
فما الدور الكامل للتفاعلات بين لب الأرض ووشاحها؟ وكيف تتداخل التحولات المناخية مع الحركة الداخلية للكوكب؟ وإلى أي مدى يمكن التنبؤ بتغير طول اليوم بعد سنوات أو عقود؟
إنها أسئلة لا تكشف ضعف العلم، بل تكشف اتساع ما ينبغي له أن يدرسه.
والأخطر أن المجتمعات قد تنشغل بتفسيرات مثيرة لا تستند إلى أدلة، بينما تمر الحقائق العلمية الأكثر تأثيرًا على مستقبلنا دون اهتمام كافٍ.
فإذا كانت أنشطتنا قادرة على تغيير توزيع المياه والجليد على سطح الأرض، فإن القضية التي تستحق أن نناقشها ليست ما إذا كان أحدهم يمتلك زرًا سريًا يسرّع دوران الكوكب، بل كيف وصلت آثار الإنسان إلى هذا العمق من النظام الطبيعي.
وإذا كان العلماء يرصدون تغيرات لا تتجاوز أجزاء من الثانية، فالأولى أن نهتم بالتغيرات التي تحدث أمام أعيننا: ارتفاع مستويات البحار، وفقدان الجليد، وتغير أنماط المناخ، وضغوط الموارد المائية.
إننا بحاجة إلى أن يصبح فهم علوم الأرض جزءًا من ثقافتنا العامة، لا مجرد خبر عابر يثير الدهشة ثم يختفي.
وإلى أن تُحسم الأسئلة العلمية المفتوحة، يجب أن تبقى أبواب البحث مفتوحة، وألا تتحول الفرضيات إلى حقائق في أذهان الناس لمجرد أنها أكثر إثارة.
ساعة الأرض.. والدرس الذي لا تقيسه الساعات
وهنا اضع قلمي لاقول لك عزيزي القاريء ، ليست القضية أن الأرض اختصرت من يومها جزءًا من ألف من الثانية، ولا أن زلزالًا نقل كتلًا صخرية فغيّر دورانها بمقدار لا تكاد تستوعبه عقولنا.
القضية أكبر من ذلك.
إن الكوكب الذي نعيش عليه ليس مسرحًا ثابتًا نقيم فوقه مدننا ونخوض حروبنا ونصنع حضاراتنا، وإنما نظام حيّ بالحركة والتغير بالمعنى الفيزيائي، تتفاعل أعماقه مع محيطاته وغلافه الجوي، وتتأثر بعض حركاته بما نصنعه نحن فوق سطحه.
لقد اعتدنا أن نقيس الزمن بما نملكه من ساعات، لكن الأرض تذكّرنا بأن حركة العالم أعقد من عقارب الساعة.
وإذا كانت بعض أفعال البشر قد أصبحت تترك آثارًا قابلة للقياس في دوران الكوكب، فكم من أثر آخر نتركه في بيئته ومستقبله دون أن نراه؟
ولعل أغرب ما تكشفه هذه القصة أن الإنسان استطاع أن يغير أشياء في الأرض لم يكن يتخيل أن تصل إليها يده، لكنه لم يتعلم بعد بالقدر الكافي كيف يحمي توازن العالم الذي يعيش فيه.
إن الأرض لا تسرق أعمارنا حين يتغير طول يومها بأجزاء من الثانية؛ نحن الذين قد نهدر أعمارنا حين ننشغل بالسيطرة على الطبيعة أكثر من فهم قوانينها واحترام حدودها.
فالخطر الحقيقي ليس أن تتقدم الأرض على ساعاتنا، بل أن تتقدم آثار أفعالنا على قدرتنا على إدراك عواقبها.
حفظنا المولى جميعا .
مع تحياتي ..





