
كلمات من قلبي لك عزيزي القاريء
بقلم / نعمه حسن
حين تفهم الحياة.. تهدأ روحك
أتعرف متى تبدأ أجمل أيام عمرك؟ حين تتوقف عن مطالبة الحياة بأن تسير كما تشتهي، وتبدأ في استقبالها كما تأتي، دون أن تفقد قلبك في كل مرة تخالف فيها توقعاتك.
حين تدرك أن دوام الحال من المحال، ستكتشف أنك كنت تحمل فوق كتفيك أثقالًا لم يطلب منك أحد حملها، وتخوض معارك كان يكفيك فيها أن تمر بسلام.
ستفهم أن الحزن مهما طال ليس وطنًا تقيم فيه، وأن الفرح مهما عظم ليس عهدًا ببقائه، وأن الدنيا بحلوها ومرها ليست سوى محطات، لا تستحق أن تفقد نفسك عند إحداها.
وهنا تبدأ الحكمة الحقيقية.
ألا تُفرط في الفرح حتى تنسى الشكر، ولا تُفرط في الحزن حتى تنسى الأمل، وألا تجعل من إقبال الناس عليك دليلًا على قيمتك، ولا من إدبارهم حكمًا بنقصانها.
فكم من باب أُغلق في وجهك فظننته نهاية الطريق، ثم اكتشفت بعد حين أنه كان يحميك من طريق لا يشبهك! وكم من أمنية بكيت لغيابها، ثم حمدت الله أنها لم تتحقق!
والعجيب أننا كثيرًا ما نتألم مرتين؛ مرة مما أصابنا، ومرة من خوفنا ألا يزول. مع أن الأيام التي أخذت منا أشياء أحببناها، هي نفسها التي جاءت لنا بأشياء لم نكن نحلم بها.
فلماذا نثق في قدرة الزمن على أخذ الجميل، وننسى قدرته على إنهاء المؤلم؟
ليس الرضا أن تصبح بارد المشاعر، لا يفرحك شيء ولا يحزنك شيء. بل أن تفرح وقلبك شاكر، وتحزن وقلبك مطمئن، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة، ثم تترك لله ما ليس في يدك.
أن تحب دون أن تفقد نفسك، وتعطي دون أن تنتظر أن يرد الجميع الجميل، وتسامح دون أن تسمح للأذى بأن يتكرر.
أن تعرف متى تتمسك، ومتى تترك، ومتى يكون الصبر عبادة، ومتى يكون الرحيل نجاة.
وهناك سر صغير يختصر رحلة طويلة من البحث عن السعادة:
لا تجعل سلامك النفسي مكافأة مؤجلة إلى أن تصبح حياتك مثالية.
فالحياة لن تخلو من نقص، والناس لن يتفقوا عليك، والأيام لن تمنحك كل ما تريد. ولو انتظرت اكتمال الأشياء حتى تطمئن، ربما مضى عمرك وأنت تؤجل الحياة نفسها.
ارضَ، لكن لا تتوقف عن الطموح. اسعَ، لكن لا تجعل النتائج إلهًا يتحكم في سعادتك. أحسن إلى الناس، لكن لا ترهن صفاء قلبك باعترافهم بفضلك.
وتذكر قول الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ】
يا لها من حكمة لو سكنت القلوب، لأراحت أرواحًا أنهكها الندم، وحررت نفوسًا استعبدها الخوف من الغد!
فما فاتك ليس نهاية عطايا الله، وما أتاك ليس نهاية فضله، وما أنت فيه الآن ليس بالضرورة ما ستكون عليه غدًا.
والأجمل من كل هذا أن الإنسان حين يتصالح مع تقلبات الحياة، يصبح أخف على نفسه وأرحم بغيره؛ فلا يتكبر إن ارتفع، ولا ينكسر إن تعثر، ولا يشمت في مبتلى، لأنه يعرف أن الدنيا لا تمنح أحدًا ضمانًا أبديًا.
وأعظم مكاسب الوعي ألا تتغير إنسانيتك كلما تغيرت ظروفك.
وفي النهاية، لن تكون أغنى الناس بكثرة ما تملك، ولا أسعدهم بتحقق كل أمنياتك، وإنما حين تمتلك قلبًا يعرف كيف يحمد في الرخاء، ويصبر في الشدة، ويرجو الله في كل حين.
فخذ من الدنيا ما يسعدك، واترك فيها ما ينفع غيرك، ولا تُفسد يومك خوفًا من غد لم يأتِ.
عِش بقلب يحب الحياة، وروح تعرف أنها عابرة، ونفس مطمئنة بأن ما عند الله خير وأبقى.
فإذا وصلت إلى هذا الوعي، فلن تحتاج أن تكون الدنيا كلها على هواك كي تكون سعيدًا.
يكفيك أن يكون قلبك مع الله.. حتى لو لم تكن الحياة كلها معك.
اسعد ربي جميع اوقاتك قارئي
مع تحياتي ..





