اخصائي نفسيالأسبوع العربي

القهر من أقرب الناس: وجع لا يُحتمل

القهر من أقرب الناس: وجع لا يُحتمل

بقلم / سهير محمود عيد
القهر من أقرب الناس ليس مجرد حزن، بل حالة نفسية خانقة تُفقد الإنسان شعوره بالأمان. حين يأتي القهر من شخص كنت تظنه السند، يصبح الألم أعمق، لأنك لا تتوقع الأذى ممن يفترض أن يحميك. الغريب قد يؤذيك فتتجاوز، لكن القهر من الأقرب يترك داخلك أثرًا لا يزول بسهولة.
القهر لا يحتاج إهانة صريحة أو خيانة واضحة. أحيانًا يكون في كلمة مستهترة، أو تجاهل متعمد، أو تخلي في لحظة ضعف. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع وجعًا كبيرًا، لأنها تكشف حقيقة مؤلمة: أن من قهرك كان يعرف جيدًا كيف يؤلمك.
أقسى ما في القهر من أقرب الناس أنه يجعلك تشك في نفسك قبل الآخرين. تبدأ تتساءل: هل كنت طيبًا أكثر من اللازم؟ هل بالغت في الثقة؟ ومع كل سؤال، يزداد الضغط النفسي، ويتراكم الإحساس بالعجز. القهر هنا لا يكسر القلب فقط، بل يهز ثقة الإنسان بنفسه.
مع تكرار القهر، لا ينفجر الإنسان، بل ينطفئ. يصبح أقل كلامًا، أقل عطاءً، وأكثر حذرًا. يبتعد بهدوء دون ضجيج، لأن المواجهة أصبحت مرهقة، ولأن الشرح لم يعد يجدي. القهر يحوّل الشخص العاطفي إلى شخص يضع ألف حساب قبل أن يقترب.
القهر من الأقربين يخلق صراعًا داخليًا مؤلمًا. أنت لا تريد خسارتهم، ولا تستطيع تحمل المزيد. فتختار الصمت، وتتحمل، وتبتلع الوجع حفاظًا على ما تبقى من العلاقة. لكن الصمت الطويل لا يشفي، بل يترك جروحًا أعمق.
ولا ينتهي القهر بانتهاء الموقف. يعود في الذاكرة، في المواقف المشابهة، وفي كل تجربة ثقة جديدة. يجعلك أكثر شكًا، وأكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للعطاء. وهذا هو الثمن النفسي الحقيقي للقهر.
ورغم قسوته، يحمل القهر درسًا لا يُنسى. يعلّمك أن القرب لا يعني الأمان، وأن الطيبة بلا حدود استنزاف، وأن حماية نفسك ليست أنانية بل ضرورة. التعافي يبدأ حين تعترف بوجعك، وتضع حدًا، وتختار نفسك.
من الكاتبة:
سهير محمود عيد….صوت صادق بين صخب الكلمات.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى