اعمل لنفسك قبل الموت
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعمل لنفسك قبل الموت
نسير إلى الآجال في كل لحظة، وأعمارنا تطوى وهنَّ مراحل، ترحل من الدنيا بزاد من التقى، فعمرك أيام وهن، فعمرك أيام وهن قلائل، أعد الليالي ليلة بعد ليلة، وقد عشت دهرا لا أعد لياليا، وإنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل، فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل، ويقول ابن القيم رحمه الله المحاسبة أن يميز العبد بين ماله وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود، ولأهمية المحاسبة فقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يحاسبون أنفسهم على الدوام، حيث قال سفيان بن عيينة رحمه الله ” كان الرجل يلقى أخاه في زمن السلف الصالح فيقول له اتق الله وإن استطعت ألا تسيء إلى من تحبه فافعل، فقيل له وهل يسيء الإنسان إلى من يحبه ؟
قال سبحان الله نفسك أحب الأشياء إليك فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها” ومن تحري الحلال والحرام عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو قصة السيدة عاتكة زوجة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب والمسك، فقد قدم على عمر مسك وعنبر من البحرين فقال عمر بن الخطاب، والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك، قال لا، قالت لم؟ قال إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه وتمسحي به عنقك فأصيب فضلا على المسلمين، فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر واحتياطه البالغ لأمر دينه.
فقد أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لا تمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئا من مال المسلمين، وهذه الدقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات أعطاها الله لأوليائه السابقين إلى الخيرات، وجعلها لهم فرقانا يفرقون به بين الحلال والحرام والحق والباطل، بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات، ومن هذه الصور أيضا، منع جر المنافع بسبب صلة القربى به فعن أسلم قال خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل، وقال لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال بلى، ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، وأسلفكما.
فتبيعان به متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح، ففعلا، وكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما على عمر قال أكلَّ الجيش أسلف كما أسلفكما؟ فقالا لا، فقال عمر أدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، لو هلك المال أو نقص لضمناه، فقال أديا المال، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا أى شركة، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال، قالوا هو أول قراض في الإسلام، ولقد شرع الله سبحانه وتعالى العقوبات في الإسلام صونا للمجتمع من التدهور والفساد، وحماية لحقوق الأفراد من التعدي والتسلط.





