
قصة قصيرة من مجموعتى القصصية الهروب
بقلم / أحمد درويش العربى
أقف أمامهم بوجه ساكن، بينما في داخلي ضجيج لا يهدأ.
لم أعرف متى بدأ الأمر تحديدًا.
لم تكن هناك لحظة فاصلة أستطيع أن أشير إليها وأقول: هنا اختبأت خلف الستار لأول مرة.
كل ما أعرفه أنني، في يوم ما، استيقظت وأنا أرتدي وجهًا لا يشبهني.
كان وجهي هادئًا دائمًا… هادئًا أكثر مما ينبغي.
حتى في اللحظات التي كان داخلي يشتعل فيها، كانت ملامحي ثابتة، كأنها تعلمت منذ وقت مبكر ألا تفضح صاحبها.
قالت لي أمي ذات يوم، وكان عمري ثلاثة عشر عامًا:
— أنت بارد يا ولدي… لا تحزن ولا تفرح مثل بقية الناس.
لم أجبها.
لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني أحزن حتى الاختناق، وأفرح حتى الإنهاك، لكن كل تلك المشاعر كانت تحدث في مكان بعيد، مكان لا يصل إليه أحد.
كنت أشعر بالأشياء كلها… لكنني لم أكن أعرف كيف أُظهرها.
كبرت، وكبر معي ذلك الستار.
في العمل كانوا يحبونني.
الرجل الهادئ، المحترم، المتزن، الذي لا يفتعل المشاكل ولا يدخل في صراعات.
كان مديري يثق بي، وكان زملائي يلجأون إليّ عندما تتعقد الأمور.
قال لي حسام، زميلي في المكتب، ذات مرة وهو يربت على كتفي:
— أنت أكثر شخص أعرفه أعصابه باردة… ليت لدي نصف هدوئك.
ابتسمت.
ابتسامة محسوبة، بالقدر الذي يناسب الموقف، لا أكثر ولا أقل.
لو كان يعرف…
لو كان يعرف كم احتجت في تلك اللحظة أن أصرخ، أن أخبره أن الهدوء الذي يراه ليس قوة، بل قيد أحمله منذ سنوات.
كنت أعيش حياتين متوازيتين.
حياة يراها الجميع؛ مرتبة، هادئة، خالية من الفوضى.
وحياة أخرى لا يعرفها أحد؛ صاخبة، مرتبكة، ممتلئة بأسئلة لا تجد إجابات.
في المساء، عندما أعود إلى شقتي الصغيرة، كنت أخلع حذائي ببطء، أضع مفاتيحي في مكانها المعتاد، ثم أجلس على الأريكة دون أن أشعل الضوء.
كان الظلام صديقي الوحيد.
لا يسألني لماذا أنا صامت.
ولا يطالبني بأن أكون شخصًا آخر.
هناك فقط… يبدأ الصوت.
إلى متى؟
كان السؤال يأتي من داخلي.
إلى متى ستظل مختبئًا؟
لم أكن أملك إجابة.
في الحقيقة، لم أكن متأكدًا أنني ما زلت أعرف أين ينتهي الاختباء وأين أبدأ أنا.
ظهرت سلمى في حياتي فجأة، أو هكذا ظننت.
كانت تعمل في قسم آخر بالشركة. التقينا مصادفة في المصعد.
نظرت إلى الأرقام المضيئة فوق الباب، ثم قالت مبتسمة:
— المصاعد تحب أن تجمع الغرباء.
ضحكت.
ضحكة قصيرة، خرجت بالقدر المناسب تمامًا.
قلت:
— وأحيانًا تفعل أكثر من ذلك.
ابتسمت.
بدأ بيننا حديث عادي؛ عن العمل، والزحام، والمدينة التي لا تنام.
لكن شيئًا فيها كان مختلفًا.
لم تكن تكتفي بسماع الكلمات، بل كانت تنظر خلفها.
كانت تنظر إليّ وكأنها تحاول أن ترى ما أخفيه.
بعد أسابيع من اللقاءات العابرة، قالت لي فجأة:
— أنت لا تقول ما تشعر به.
توقفت عن السير.
نظرت إليها.
— ماذا تقصدين؟
كنت أعرف تمامًا ما تقصده، لكنني أردت منها أن تقولها.
قالت:
— تقول الأشياء الصحيحة… لكنك لا تقول الأشياء التي تخصك أنت.
صمتُّ.
للحظة شعرت أن الستار ارتجف.
ابتسمت محاولًا العودة إلى مكاني المعتاد خلفه.
قلت:
— ربما لأن لا شيء يستحق أن يُقال.
لم تجادلني.
لكن نظرتها بقيت تطاردني أيامًا طويلة.
وفي إحدى الليالي، زارني أخي الأكبر.
لم يكن يزورني كثيرًا.
جلس أمامي، وبيننا أكواب الشاي، وكان الصمت هو الحديث الوحيد بيننا.
فجأة قال:
— أتعرف؟ كنت أتمنى لو تشاجرنا مرة.
نظرت إليه باستغراب.
— نتشاجر؟ ولماذا؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— لأنك دائمًا… لا شيء.
نظرت إليه دون أن أفهم.
تابع:
— لا تغضب، لا تعترض، لا ترفع صوتك، لا تطلب شيئًا… كأنك غير موجود.
شعرت بشيء ينكسر في صدري.
قلت بهدوء:
— أنا موجود.
ضحك ضحكة قصيرة.
— موجود بجسدك فقط… أما الباقي فلا أدري.
غادر بعدها بقليل.
ترك الباب مفتوحًا خلفه.
كأنه كان ينتظر مني أن أناديه، أن أصرخ، أن أفعل أي شيء يثبت أن هناك إنسانًا خلف ذلك الهدوء.
لكنني لم أفعل.
كالعادة…
بقيت خلف الستار.
بعد رحيل أخي، شعرت للمرة الأولى أن الستار لم يعد مجرد غطاء أخفي خلفه ما لا أريد إظهاره.
لقد بدأ يتحول إلى جدار.
جدار يحيط بي من كل جانب، حتى صرت لا أعرف إن كنت أنا من يختبئ خلفه، أم أنني أصبحت محبوسًا داخله.
بدأت أشعر بالإرهاق من أشياء صغيرة لا تستحق التعب.
صرت أتوتر بلا سبب واضح، وأستيقظ في منتصف الليل وقلبـي يخفق بعنف، والعرق يغطي وجهي، كأنني كنت أهرب من شيء لا أراه.
في العمل، ارتكبت خطأ بسيطًا.
خطأ عابرًا يحدث لأي شخص.
لكن مديري نظر إليّ وقال بنبرة لم أعتدها منه:
— لم أتوقع هذا منك.
كانت جملة قصيرة.
لكنها سقطت داخلي كشيء ثقيل.
عدت إلى مكتبي، جلست أمام الشاشة، وبقيت أحدق فيها دون أن أرى شيئًا.
عاد الصوت من جديد.
لكنه هذه المرة كان أعلى.
أرأيت؟
حتى وهم يظنون أنك مثالي… لا أحد يراك.
وضعت رأسي بين يديّ.
للمرة الأولى أدركت أن الستار الذي ظننته يحفظني من الآخرين، أصبح يمنعني أنا من الوصول إلى نفسي.
في ذلك المساء، اتصلت سلمى.
— هل أنت بخير؟
كان السؤال بسيطًا، لكنه أربكني.
قلت الإجابة التي اعتدت قولها طوال حياتي:
— نعم.
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
— لا تبدو كذلك.
أغمضت عيني.
كان بإمكاني أن أنهي المكالمة.
كان بإمكاني أن أعود إلى دوري المعتاد، إلى الجملة الآمنة، إلى الوجه الذي لا يثير الأسئلة.
لكن شيئًا ما بداخلي كان قد تعب من الصمت.
قلت:
— هل تعلمين كيف يكون شعور الإنسان عندما يعيش وسط أشخاص يرونه… ولا يرونه في الوقت نفسه؟
لم تجب.
فأكملت:
— أنا هذا الشخص.
ساد الصمت بيننا.
لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا هذه المرة.
كان صمتًا يشبه الانتظار.
انتظار شيء ظل مؤجلًا لسنوات.
التقينا في اليوم التالي في مقهى هادئ.
جلست أمامي ولم تحاول أن تنقذني بالكلمات.
لم تعطِني نصائح.
لم تقل لي إن الأمر بسيط.
فقط تركتني أتكلم.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل… تكلمت.
تحدثت عن الخوف الذي رافقني.
عن السنوات التي تعلمت فيها أن إخفاء المشاعر أكثر أمانًا من إظهارها.
عن الطفل الذي بدا هادئًا أمام الجميع، بينما كان يحمل داخله أسئلة أكبر من عمره.
قلت لها:
— تعودت أن أكون الشخص الذي لا يسبب إزعاجًا لأحد… حتى اختفيت أنا من حياتي.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت:
— ولماذا لا تخلع هذا الستار؟
بقيت صامتًا.
نظرت إلى يديّ فوق الطاولة.
قلت:
— لأنني أخاف مما سأجده خلفه.
لم تجب.
لكنها لم تبعد عينيها عني.
وكأنها تقول دون كلمات: ربما لا يكون خلفه شيء مخيف… ربما يكون خلفه أنت فقط.
في تلك الليلة، وقفت أمام المرآة طويلًا.
كان وجهي كما عرفته دائمًا.
هادئًا.
مرتبًا.
وجه الرجل الذي يثق به الجميع.
لكنني، للمرة الأولى، شعرت أنني أنظر إلى شخص غريب.
اقتربت أكثر.
همست:
— من أنت؟
لم يجبني الوجه المقابل.
بقي ساكنًا كما اعتاد دائمًا.
مددت يدي ببطء، كأنني أحاول إزاحة ستار غير مرئي يفصلني عن نفسي.
وفجأة فهمت.
لم يكن هناك ستار يمكن أن أرفعه.
لم يكن قناعًا أضعه ثم أخلعه متى شئت.
لقد كان أعمق من ذلك.
لقد صنعته طبقة فوق طبقة؛ من الخوف، والصمت، ومحاولات إرضاء الآخرين، حتى اختفى الأصل تحته.
جلست على الأرض.
وضعت ظهري إلى الحائط.
ثم ضحكت.
كانت ضحكة قصيرة، مرتجفة، غريبة عليّ.
لكنها كانت صادقة.
لأول مرة منذ سنوات طويلة… لم تكن ضحكة مصنوعة لتناسب اللحظة.
في اليوم التالي، تأخرت عن العمل.
وحين دخلت المكتب، لم أبحث عن عذر جاهز.
عندما سألني المدير:
— لماذا تأخرت؟
نظرت إليه وقلت:
— كنت متعبًا.
فقط.
كلمتان بسيطتان.
لكنني شعرت بعد قولهما أنني استعدت جزءًا صغيرًا مني.
نظر إليّ بدهشة.
ربما لأنه لم يعتد أن يسمع مني شيئًا حقيقيًا.
في المساء، سألتني سلمى:
— كيف تشعر؟
صمتُّ قليلًا.
لم أبحث عن إجابة مثالية.
لم أحاول أن أبدو قويًا أو متماسكًا.
قلت:
— لا أعرف بعد… لكنني أحاول.
ابتسمت.
ولم تقل شيئًا.
ربما لأنها فهمت أن بعض المعارك لا تحتاج إلى انتصار سريع.
يكفي أحيانًا أن يتوقف الإنسان عن الهروب.
لم تكن تلك نهاية الحكاية.
لم أتحول فجأة إلى شخص آخر.
لم يسقط الستار تمامًا.
لكن للمرة الأولى…
لم أختبئ خلفه طوال الوقت.
وللمرة الأولى…
شعرت أنني أملك فرصة لأن أتعرف إلى الشخص الذي ظل ينتظرني خلفه.
وربما…
كان ذلك كافيًا كبداية.
بداية للتوقف عن الهروب.





