أدب وشعر

ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة

ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة

ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأربعاء الموافق 30 أكتوبر 2024
الحمد لله الذي جعل لنا الصوم حصنا لأهل الإيمان والجنة، وأحمد سبحانه وتعالى وأشكره، بأن من على عباده بموسم الخيرات فأعظم المنة ورد عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، شهادة تؤدي لرضوانه والجنة، أما بعد فإنه ينبغي علينا أيها المسلمون، أن ننظر إلي شباب المصطفي صلي الله عليه وسلم فأما شبابه صلى الله عليه وسلم فيا لطهر الشباب وعندما حج أكثم بن صيفي حكيم العرب ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في سن الاحتلام، قال لعمه أبي طالب ما تظنون به ؟ قال نحسن به الظن، وإنه لوفي سخي قال هل غير هذا ؟ قال نعم، إنه لذو شدة ولين ومجلس ركين، وفضل متين قال فهل غير هذا؟ قال إنا لنتيمن بمشهده ونتعرف البركة فيما لمسه بيده.

وأما رجولته فقد كانت ملء كل عين وأذن وقلب لقد كانت رجولته مقياسا لقومه يقيسون بأخلاقه وتصرفاته كل رؤاهم عن الحق والخير والجمال فهاهم ذا على وشك أن يقتتلوا في من يضع الحجر الأسود في مكانه، وأخيرا ألهمهم الله تعالى إلى تحكيم أول من يقبل من باب الصفا، وما زالوا كذلك حتى أقبل محمد صلى الله عليه وسلم، فما أن رأوه حتى قالوا هذا محمد الأمين، رضينا به حكما، وكانت حياته صلى الله عليه وسلم نقاء وصدقا وعفافا وطهرا لم يجرّبوا عليه كذبا؟ لم يظلم إنسانا؟ لم يخن صديقا ولا عدوا؟ لم يكشف عورة؟ لم يخفر ذمة؟ لم يقطع رحما؟ لم يتخل عن مروءة؟ لم يشتم أحدا؟ لم يشرب خمرا؟ لم يستقبل صنما؟

مقالات ذات صلة

فكان صلى الله عليه وسلم شخصية فريدة جعلت سادة قومه يسارعون إلى الإستجابة لدعوته، كأبي بكر وطلحة والزبير وعثمان وغيرهم، تاركين وراءهم كل مجد وجاه، مستقبلين حياة تمور بالأعباء وبالصعاب، فكان صلى الله عليه وسلم شخصية فريدة جعلت ضعفاء قومه يلوذون بحماه، ويهرعون إلى رايته ودعوته، وهم يبصرونه أعزل من المال ومن السلاح، ينزل به الأذى، ويطارده الشر، دون أن يملك له دفعا، إنها القدوة، التي جعلت أتباعه يزيدون ولا ينقصون، وهو الذي يهتف فيهم صباح مساء، لا أملك لكم نفعا ولا ضرا ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إنها القدوة التي تملأ القلوب يقينا وعزما، ولقد كان الصحابة يرونه بينهم صاحب رسالة سامية، لم يكن ليسعى إلى جاه ولا مال ولا سيادة.

ولقد كانوا يرونه أوابا منيبا حتى اللحظة الأخيرة من حياته لا يكاد النصف الأخير من الليل يبدأ، حتى ينتفض قائما، فيتوضأ ويناجي ربه فتتورم قدماه وهو يصلي ويبكي وهو يصلي، ولقد كانوا يرونه صلى الله عليه وسلم سيدا للمتواضعين، وإماما للعافين، لقد دانت البلاد كلها لدعوته ووقف أكثر ملوك الأرض أمام رسائله التي دعاهم بها إلى الإسلام، وجلين ضارعين، فما إستطاعت ذرة من زهو وكبر أن تمر به ولو على بعد فراسخ، بل كان يمشي صلى الله عليه وسلم مع الأرملة والمسكين والعبد، حتى يقضي حاجته، وحين رأى بعض القادمين عليه يهابونه في اضطراب ووجل، قال لأحدهم “هوّن عليك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة”

لقد ألقى كل أعداء دينه السلاح، ومدوا إليه أعناقهم ليحكم فيها بما يرى، ومعه عشرة آلاف سيف تتوهج يوم الفتح فوق ربى مكة، فلم يزد على أن قال لهم “اذهبوا فأنتم الطلقاء” بل كان من تواضعه، أنه حرم نفسه رؤية النصر الذي أفنى في سبيله حياته فقد سار صلى الله عليه وسلم في موكب النصر يوم الفتح، مطأطئا رأسه حتى تعذر على الناس رؤية وجهه الأزهر، مرددا بينه وبين نفسه إبتهالات الشكر المبللة بالدموع، في حياء وتواضع لربه العلي الكبير، حتى وصل الكعبة، وأعمل في الأصنام معوله ، وهو يقول ” جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى