الأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

سجن القرى: حين يصبح الحسد ميراثاً

سجن القرى: حين يصبح الحسد ميراثاً
بقلم: مجدي غلاب
لطالما تغنت الدراما والأشعار بدفء الحياة في الأرياف، ورسمت لنا لوحة رومانسية عن الجار الذي يسند جاره، والبيوت المفتوحة بالحب. ولا ننكر أن الميزة الوحيدة المتبقية في هذه المجتمعات هي وقوفهم صفاً واحداً في المآسي والأفراح. ولكن، بمجرد أن تنتهي سرادقات العزاء أو تنطفئ أنوار الأفراح، تسقط الأقنعة الرومانسية، لنواجه حقيقة اجتماعية ونفسية شديدة القسوة: الريف قد يتحول إلى سجن مفتوح، جدرانه مبنية من “كلام الناس”، وقضبانه تُصنع من انعدام الخصوصية.
في هذه المجتمعات المغلقة، تُعتبر “الخصوصية” جريمة لا تُغتفر. أنت لست فرداً مستقلاً، بل أنت “مشاع” يحق للجميع تشريحه. إذا حاولت الاندماج بحسن نية، وفتحت بابك، يتحول بيتك إلى وكالة مستباحة لكل من هب ودب. وإذا استأمنت أحدهم على سر يعتصر قلبك، ستستيقظ في اليوم التالي لتكتشف أن سرك تحول إلى “نشرة أخبار” تُتداول على المصاطب، لدرجة أن الكلب الذي يمر بجوار بابك ليلاً بات يعرف تفاصيل أزمتك!
لقد تحول “الونس” إلى “تطفل مرضي”. تجلس بضع نساء على درجات السلم ينقين الأرز، وفي غضون دقائق، يقمن بتشخيص حالة جارهم المتعب طبياً، ويوزعن عليه أمراض الدنيا، في مشهد يغلفه تعاطف زائف وشفقة مصطنعة تخفي وراءها فضولاً نهماً لنهش تفاصيل حياته. البجاحة تصل إلى حد اقتحام أخص خصوصياتك بأسئلة لم يجرؤ أقرب أهلك على طرحها ومناقشتها معك.
ومن الناحية السيكولوجية، تحكم هذه البيئات معايير مادية وطبقية قاسية لا ترحم. التقييم لا يُبنى على نبل الأخلاق، بل على المظهر والمستوى التعليمي والمادي. إذا رزقك الله وظهرت عليك نعمته بهندام مهندم، تُرمى سهام الشك في مصدر رزقك وتُوصم بـ “الحرام”، أو تُسلط عليك العيون المتربصة حتى تتعثر وتُسلب نعمتك. وإذا ضاق بك الحال، تُوصم بالفشل دون رحمة. لا توجد منطقة وسطى؛ إما أن تكون ناجحاً فتُحسد وتُكسر مجاديفك، أو فقيراً فتُحتقر.
وأمام هذا الحصار الخانق، يجد الإنسان نفسه أمام خيارين أحلاهما مر. إما أن يذوب في هذه العجلة السامة من النميمة والفتن ليُرضي القطيع، أو يختار العزلة لحماية سلامته العقلية. ولكن حتى العزلة ليست حلاً آمناً؛ فبمجرد أن تغلق بابك طلباً للهدوء وتجنباً للشرور، تُطلق عليك أحكام الإعدام المعنوية: “مغرور، متكبر، وشايف نفسه”. لا سبيل لإرضائهم، ولا مفر من أحكامهم ومقاييسهم التي تُفصل على مقاس أمزجتهم فقط.
هذا الواقع المتناقض والمؤلم يُفسر لنا العبقرية والعمق في مقولتي التي لخصت هذه المعاناة :
“لا تطل المقام في الأرياف فتصدأ همتك.. من طلب المجد فارق الكفور، فإن ضيق الأفق في القرى داء، والركود فيها طبع”
نحن هنا لا نهاجم جذورنا، بل نُعرّي واقعاً مريضاً يتستر خلف شعارات الطيبة الزائفة. الأفق الحقيقي للنجاة يبدأ حين ندرك أن حماية طاقتنا وسلامنا الداخلي أهم ألف مرة من إرضاء مجتمع لا يجتمع إلا على التدخل في شؤون الآخرين. ويبقى الدعاء الأصدق في هذه الرحلة المنهكة: “اللهم اشغلني في نفسي، وأعني على إصلاح عيوبي، ولا تشغلني بخلقك يا رب العالمين”.
مع خالص تحياتي، وصدق كلماتي،
مجدي عبد البصير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى