أخبار عربيه

حكايات رمضان ف شوارع .مصر 

حكايات رمضان ف شوارع .مصر
✍️بقلم /إيهاب نجاح جنديه
جريدة الأسبوع العربي الإخبارية
يأتي رمضان كل عام حاملاً معه روحًا لا تشبه أي شهر آخر، روحًا تمشي في الشوارع قبل أن تظهر في التقويم. هو شهر تتغير فيه ملامح الأيام، وتختلف فيه الروائح والأصوات والوجوه، فيصبح الزمن نفسه أكثر هدوءًا ورحمة. وبين الماضي والحاضر، يبقى رمضان في مصر له طعم خاص لا يُحسّ إلا هنا، ولا يُعاش إلا في شوارعها وحاراتها وبيوتها.
في الماضي، كانت الشوارع تعرف رمضان قبل أن يُعلن عنه. يكفي أن يقترب المغرب، فتشعر بزحام مختلف، زحام له نكهة الطمأنينة. الناس تسرع إلى بيوتها، وأكياس الخبز في الأيدي، وصوت الباعة ينادي: “فول ساخن… طعمية جاهزة”. ساعة المغرب كانت لحظة مهيبة؛ الشارع كله يتحول إلى سباق بسيط نحو الإفطار. محلات العصير مزدحمة، عربات العرقسوس تمر بين الناس، والأطفال ينظرون في السماء انتظارًا للأذان وكأنهم ينتظرون عيدًا يوميًا.
اليوم تغيّر شكل الزحام، لكن فرحته لم تتغير. ما زال الشارع يمتلئ قبل الأذان بدقائق، وما زالت العيون تلمع. ترى الفرحة
والقطايف تُحشى وتُقلى، مشهد يتكرر كل عام لكنه لا يملّ. تلك الأفران الصغيرة تحمل ذاكرة شعب كامل، وتعيد لكل شخص ذكريات طفولته.
ومن أجمل ما يميز رمضان في مصر “الطبق الدائر”. طبق يخرج من بيت إلى بيت، رايح جاي طوال الشهر، يحمل أطباقًا مختلفة، لكن يحمل معها المحبة نفسها. طبق من المحشي، أو طبق من الكنافة، أو شوربة ساخنة، ينتقل بين الجيران بلا مواعيد ولا حساب. لكل بيت طعم مختلف، ولكل يد نكهة خاصة، لكن القصد واحد: المشاركة. هذا الطعم تحديدًا، طعم المشاركة واللمة، قد لا تجده إلا في مصر. قد تأكل نفس الأكلة في أي مكان، لكنها لن تكون بنفس المذاق؛ لأن السر ليس في الوصفة، بل في القلوب.
بين الماضي والحاضر، تغيرت تفاصيل كثيرة. ظهرت المطاعم الكبيرة، واختلفت العادات، وتسارعت الحياة. لكن روح رمضان في مصر ما زالت ثابتة. ما زال الزحام قبل المغرب له رهبة، وما زالت التراويح تجمع الناس، وما زال الفجر يفتح أبواب الرحمة، وما زالت الأسواق تنبض بالخيرات، وما زال طبق الجيران يدور من بيت لبيت.
رمضان في مصر ليس مجرد شهر صيام، بل حالة تعيشها مدينة كاملة. حالة لا تُشبه غيرها، ولا يُحسّ بطعمها إلا من عاشها هنا. إنه شهر له رائحة، وصوت، ودفء، وذكريات… شهر يبقى كما هو في القلوب، مهما تغيّر الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى