
بقلم / أحمد درويش العربى
من المجموعة القصصية صدى الارواح
هو رحّالة يطوف البلاد، يتفقد معالمها، ويقتحم المجهول فيها، كأنه يسعى بذلك إلى محاربة الخوف الذي يسكن داخله. لم تكن المؤن لديه كثيرة؛ فقط حقيبة صغيرة يحملها على ظهره، فيها بعض الأطعمة، وملاءة يستخدم نصفها للنوم عليها، والنصف الآخر غطاءً لجسده.
يوجد بها أيضًا حذاء للطرق الوعرة، ومنظار مكبِّر يستخدمه عند الحاجة لاكتشاف ما بَعُد عن نظره ولم يستطع التحقق منه، وكان يحمل حول عنقه كاميرا التصوير الخاصة به، التي يسجل بها كل ما يمر به من لحظات ذات أهمية.
هذه المرة، هو في أدغال الكاميرون، حيث الطبيعة القاسية، والغابات العظيمة متشابكة الأشجار، والمتنوعة الكائنات. كان يُمنِّي نفسه برحلة مثيرة ممتعة، يضم قصصها إلى باقي القصص التي جمعها في مذكراته من رحلاته السابقة، حيث كان يُعدُّ تلك المذكرات لتكون كتابًا يحكي مغامراته حين يتقاعد عن السفر ويعود إلى موطنه.
لم يكن يعرف ما الذي سيكون في انتظاره في الكاميرون، خصوصًا تلك المنطقة والغابة النائية التي اختار أن يخترق المجهول فيها؛ غابة الكونغو المطيرة، تلك التي تشغل مساحة واسعة في جنوب وجنوب شرق الكاميرون. وقد تلقى إنذارًا تلو الآخر من خوض تلك الرحلة، فأكثر من مرشد سياحي من أهل الكاميرون رفض أن يصحبه؛ منهم من ذكر له الأسباب والخطورة التي قد يتعرض لها، والتي قد تصل إلى فقدان حياته، وآخرون اكتفوا بالرفض دون أن يوضحوا السبب. ولكن حب المغامرة، وشهوة معرفة المجهول، غلبا على خوفه وقلقه… فانطلق.
انطلق وحده في طريق يكسوه المجهول… وعند أول خطوة لدخوله إلى أدغال الغابة المطيرة، نظر خلفه وكأنه يودّع آخر مظاهر التحضّر. ومع انتصاف النهار، وهو يسير داخل الغابة، استشعر الخطر الذي هو مقبل عليه، وفكّر في الرجوع، لكن يبدو أن قدميه أبتا إلا التقدُّم إلى الأمام.
في سيره داخل الغابة المطيرة، كان يرى الكثير من الحيوانات تركض هنا وهناك، تقفز بين الأشجار، وتزحف على أوراق الأشجار التي سقطت من فروعها، فكوّنت غطاءً كثيفًا لتربة الغابة الأصلية. قرر أن يستريح قليلًا… أشعل النار في بعض فروع الأشجار الجافة، وطهى عليها إحدى معلبات الطعام التي يحتفظ بها في حقيبته. ألقى بجسده على الملاءة الوحيدة التي يملكها… فرش نصفها، والتحف بالنصف الآخر.
لم يستشعر كم من الوقت قد مضى عليه وهو على تلك الحالة، إلا أنه استيقظ عندما أحس بركلات على جانب جسده. لم يكن بعد قد فتح عينيه على اتساعهما، لكنه ميّز فوهة تلك البندقية وهي مصوبة إلى وجهه، فاعتدل من رقدته مفزوعًا، فوجد عدة رجال يحيطون به. كانوا رجالًا ذوي بنية جسدية ضخمة، كلهم يحملون السلاح، والتي كانت كل فوهاتها موجهة إليه.
ابتدر أحدهم الحديث إليه في عصبية، إلا أنه لم يفهم شيئًا مما كان يصرخ به من كلمات، فقد كانت كلماته بلغة هو لا يعرفها. في النهاية قاموا بتقييده، وقام أحد الرجال بالإمساك بطرف القيد ويجذبه بقوة لإجباره على اتباع مسار خطاهم. كان يتبعهم وهو لا يعرف إلى أين يسوقونه، لكن شعورًا ما غزا قلبه بأن تلك هي النهاية.
بعد مسيرة لا يعلم كم من الوقت انقضى خلالها، وجد نفسه والرجال وسط معسكر من الخيام به الكثير من الرجال المدججين بالسلاح، ويتوسط ذلك المعسكر نار عظيمة تضيء المعسكر ككل. ورأى أكوامًا من أنياب الفيلة، وأكوامًا من سن عاج وحيد القرن، وأكوامًا أخرى من جلود التماسيح، وأكوامًا أخرى لم يميزها؛ فأيقن أنه قد وقع في أيدي عصابة من عصابات الصيد الجائر المحرّم دوليًا.
من داخل إحدى الخيم خرج رجل أبيض يرتدي على رأسه قبعة مثل تلك التي كان يرتديها “الكاوبوي” في أفلام الغرب الأمريكي. تحدث إليه بلغته الأم، وعلم منه أنهم يعتقدون أنه ينتمي إلى منظمة من منظمات حماية الحيوان، وأنه يتعقبهم ليسجل ما يقترفونه من عمليات قتل عشوائي، وأنه سيبلغ السلطات عنهم. عرف منه أنهم قد أوقعوا بكثير من مندوبي تلك المنظمات، وكانت نهايتهم كما يرى.
أشار الرجل الأبيض إلى أعالي الأشجار التي تحيط بالمخيم، وكانت المفاجأة التي خارت لها أوصاله ولم يستطع معها الوقوف؛ كانت هياكل عظمية قد علّقت هناك حيث أشار الرجل الأبيض في أعالي الأشجار. كان بعضها لا تزال تكسوه القليل من أجساد أصحابها، إلا أن ذلك لن يستمر طويلًا؛ فقد كانت الطيور الجارحة تقف على تلك البقايا من الأجساد تلتهمها.
أغمض عينيه في محاولة لعدم استكمال رؤية ذلك المشهد، لكن ركلات ما على جسده جعلته يفتح عينيه رغمًا عنه، فوجد نفسه ما زال راقدًا على الملاءة يفترش أرض الغابة، وجسد حيوان لم يتحقق من ملامحه يبتعد مسرعًا عنه. ابتلع ريقه، فقد كان على وشك الموت في حلم كاد يقتله حقيقةً.
كان النهار قد أوشك على البزوغ، أمسك منظاره المكبر ليستكشف المكان من حوله. تحرك برأسه يمينًا ويسارًا وهو واضع المنظار على عينيه ليستكشف أكبر مساحة ممكنة. فجأة تسمرت عينه على مشهد… إنهم هم الصيادون… عربات نقل تنقل حيوانات قد تم قنصها… جنود يحملون أسلحة نارية…
انقبض قلبه… استشعر الخطر… جمع أشياءه ليعاود أدراجه من حيث جاء… التف ليعود… لكن كان الوقت قد فات. أوقفته فوهة بندقية موجهة إلى وجهه… يحملها إفريقي لا يحمل وجهه إلا علامات الوحشية، وأذنه سمعت صراخًا بكلمات لم يفهمها… طأطأ رأسه… فقد كان يعلم ما هو قادم.





