
بقلم/ د.لينا أحمد دبة
ليس كل من يمرّ في حياتنا يصل إلينا حقًا… فالوصول الحقيقي لا يُقاس بالمسافات ولا بعدد الأيام، بل بمدى القدرة على ملامسة ذلك العمق الخفي في داخلنا، حيث تختبئ مشاعرنا الأكثر صدقًا، وأفكارنا التي لا نقولها، وأوجاعنا التي لا نُجيد شرحها. هناك من يقتربون كثيرًا، لكنهم يظلون غرباء، وهناك من يأتون بهدوء، فيسكنوننا دون استئذان، كأنهم كانوا جزءًا منا منذ البداية.
لن يصل إليك إلا من يحمل في روحه شيئًا من روحك، من يشبهك في إحساسك، في ضعفك، في قوتك، وحتى في صمتك. ذلك الذي يفهمك دون أن تشرح، ويشعر بك دون أن تتكلم، ويرى فيك ما تعجز أنت أحيانًا عن رؤيته. معه لا تحتاج إلى التكلّف، ولا إلى تزيين الكلمات، لأن العلاقة بينكما تُبنى على الصدق العفوي، لا على المحاولات المصطنعة.
في هذا العالم المزدحم، قد نلتقي بالكثير من الناس، لكن القليل فقط من يتركون أثرًا عميقًا فينا. أولئك الذين تتلاقى أرواحنا معهم قبل أن تتصافح أيدينا، فنشعر بقربهم حتى وهم بعيدون، ونأنس بهم دون مقدمات. وجودهم يشبه الطمأنينة، يشبه ذلك السلام الذي لا نعرف مصدره، لكنه يغمرنا بالكامل.
العلاقات الحقيقية لا تُقاس بالكلمات ولا بالمواقف الظاهرة فقط، بل بما يحدث في الداخل، بما نشعر به دون تفسير. وحين تجد من يحمل في روحه جزءًا منك، لا تفرّط فيه بسهولة، فهذه اللقاءات نادرة، ولا يمنحها لنا الزمن كثيرًا. هي أشبه بهدية خفية، تأتي لتُذكّرنا أن هناك من يشبهنا، وأننا لسنا وحدنا كما نظن.





