
بقلم / د.لينا أحمد دبة
يميل كثير من البشر إلى تذكّر ما لم يحصلوا عليه أكثر من تقدير ما قُدِّم لهم. فالعطاء، حين يتكرر ويأتي بدافع الحب أو الواجب، يتحوّل عند البعض إلى شيءٍ معتاد، كأنه حق مكتسب لا يستدعي الشكر أو الامتنان. ومع مرور الوقت، تتلاشى تفاصيل الجميل في الذاكرة، بينما يظل النقص حاضرًا، واضحًا، وكأنه الحقيقة الوحيدة التي تستحق التوقف عندها.
في العلاقات الإنسانية، نعطي من وقتنا، من مشاعرنا، ومن جهدنا دون حساب دقيق، لأننا نؤمن بقيمة القرب والوفاء. نساند، نصبر، ونحاول أن نكون سندًا في الأوقات الصعبة. لكن، وفي لحظة عجز واحدة—ربما بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا—نُفاجأ بأن كل ما سبق يُنسى، ويُختزل وجودنا في “ما لم نستطع تقديمه”. هنا يتسلل الألم، ليس لأننا فشلنا، بل لأننا لم نُرَ كما كنا نتمنى.
هذه ليست دعوة للتوقف عن العطاء، بل دعوة لإعادة فهمه. فالعطاء الحقيقي لا يجب أن يكون مشروطًا باعتراف الآخرين، ولا مرتبطًا بذاكرتهم المتقلبة. قيمتك لا يحددها من ينسى، ولا تنتقص لأن أحدهم اختار أن يرى النقص ويتجاهل الكمال الذي قدمته بقدر استطاعتك.
كما أن الوعي بهذه الطبيعة البشرية يمنحنا نوعًا من السلام الداخلي. ندرك أن بعض الناس لا يجيدون التقدير، ليس بالضرورة لأنهم سيئون، بل لأنهم ينظرون للحياة من زاوية الاحتياج لا الامتنان. ومع ذلك، يبقى الفرق واضحًا بين من يرى العطاء ويقدّره، ومن يعتاد عليه حتى يفقد معناه.
لذلك، احرص على أن تمنح نفسك نفس التقدير الذي تمنحه للآخرين. لا تُرهق قلبك بمحاولة إرضاء الجميع، ولا تجعل جهدك مرهونًا برضا لا يكتمل. اختر أن تعطي بوعي، وأن تتوقف حين يصبح العطاء استنزافًا لا يُقابَل إلا بالنقصان.
في النهاية، سيبقى ما قدمته جزءًا من حقيقتك أنت، لا من ذاكرة الآخرين. ومن يستحقك حقًا، لن ينسى جميلك، ولن يقف عند عجزك، بل سيراك بصورة كاملة… كما كنت، وكما حاولت أن تكون.





