تأسيساً على الرؤية التحليلية المعمقة التي طرحها اللواء دكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في أحدث لقاءاته التليفزيونية، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط تمر بواحدة من أعقد فتراتها التاريخية منذ الحرب العالمية الثانية. فالمواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، لا تخرج عن كونها “حرب إرادات” تتبنى فيها واشنطن استراتيجية “تقليم الأظافر” لا الإسقاط الكامل، حيث تهدف الضربات السيبرانية والجوية المركزة إلى شل القدرات الدفاعية الإيرانية وتدمير مراكز القيادة، مع استبعاد خيار التدخل البري تماماً نظراً للطبيعة الجبلية الوعرة التي تجعل من أي غزو انتحاراً عسكرياً ومقبرة للجيوش.
وفي مقابل هذا الضغط التقني، تبرز قوة “سلاح الفقراء” كأداة لخلق توازن الرعب، حيث استنزفت إيران المنظومات الدفاعية المليارية بمسيرات رخيصة التكلفة، فضلاً عن امتلاكها لورقة الضغط الكبرى المتمثلة في مضيق هرمز. هذا الممر المائي الذي يتدفق عبره نحو 20% من النفط العالمي يمثل “خناقاً” للاقتصاد الدولي، إذ أن أي تعطيل للملاحة فيه عبر الألغام البحرية أو الزوارق الانتحارية سيقود العالم نحو كابوس اقتصادي تقفز معه أسعار النفط إلى مستويات جنونية قد تتجاوز حاجز الـ 200 دولار للبرميل، مما يضع القوى العظمى في مأزق حقيقي بين ضرورة الرد ومخاطر الانهيار المالي العالمي.
وبينما تشتعل الجبهات، تبرز قوى دولية تستثمر في هذا الصراع من خلف الستار، حيث تجد روسيا في ارتفاع أسعار الطاقة مخرجاً من الحصار الاقتصادي المفروض عليها، محققة مكاسب طائلة تعوض خسائرها في جبهات أخرى. وسط هذا الضجيج العسكري، يبرز الدور المصري الذي حلله اللواء سمير فرج كصمام أمان وموازن إقليمي، حيث تعكس رسائل القاهرة والتحركات الدبلوماسية للقيادة المصرية وعياً استراتيجياً بخطورة الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. فمصر، التي تظل الدولة المستقرة والمنورة وسط محيط من الأزمات الممتدة من ليبيا والسودان وصولاً إلى اليمن، تقود اليوم جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر بين الشروط الأمريكية المتشددة والمطالب الإيرانية الرافضة للإذعان.
إن المعطيات الراهنة، وبناءً على التحليل الاستراتيجي المطروح، تشير إلى أننا نعيش اللحظات الأخيرة من سياسة حافة الهاوية. فواشنطن المثقلة بأزماتها الداخلية لا تحتمل تكلفة “النعوش الطائرة” أو التورط في مستنقع جديد، وطهران المنهكة اقتصادياً تبحث عن طوق نجاة. ومن هنا، يبدو أن الحل الدبلوماسي، الذي تدعمه وساطة مصرية إقليمية قوية، هو المخرج الوحيد المتاح لتسوية تضمن بقاء هيكل النظام الإيراني مقابل تنازلات جوهرية، مؤكدة أن استقرار المنطقة لا يمر عبر فوهات المدافع فحسب، بل عبر توازنات دقيقة تراعي مصالح الجميع وتجنب الشعوب ويلات حريق لا يمكن إطفاؤه.