
عيون يختبئ بها الآسي
بقلم..مروة فؤاد
في سحيق العيون، حيث لا يصله ضوء النهار، يختبئ الأسى كجثةٍ لم تُدفن بعد. لم تعد تلك العيون مرايا تعكس صفو الروح، بل أصبحت أغطية مُعتمة، تُلقى فيها الصرخات وتُكبل فيها الدموع، خوفاً من أن تفضح ضعفنا أمام عالمٍ لا يُجيدُ القراءة بين السطور.
لقد أشفقت العيون على نفسها، فتعلمتْ كيف تُغلق أبوابها عن مشاعرها. أُسدلت ستائرُ من اللامبالاة على نوافذ القلب، وتجمد البريق في المقلة. صرنا ننظر إلى المآسي دون أن ترتجف الجفون، ونُحدق في الوجوه دون أن تلمسها الأرواح. لقد خانت العيونُ عيونها، وقررتْ أن تعيش في منفى اختياري، بعيداً عن وطأة الشعور، هرباً من ألمِ أن تكون حياً في زمنٍ يُؤلم.
وفي غفلة من الزمن، تخلّينا عن آدميتنا.
أصبحنا اليوم بلا مشاعر، سوى هياكلَ من لحمٍ ودمٍ تسكنها أرواحٌ ميكانيكية.
آلاتٌ موجهة، نُبرمج على الصمت حين يُطلب منا الكلام، ونُوجَّه للابتسام حين تُملى علينا أوامر السعادة. نضغط على أزرار أيامنا كـ “تروس” تدور في مصانع لا نملكها، نُنفذ خوارزمياتِ البقاء، ونرد على الاستفهامات بردودٍ محفوظة.
قلوبنا مجردُ محركاتٍ تدور بلا زيت، ودموعنا أرقامٌ برمجيةٌ تُحذف قبل أن تسقط.
وفي عمق العيون يختبئ الأسى، لكنه ليس أسى البشر الذين يحنون، بل هو أسى “آلةٍ عطلة”، تشعر بوجع صدئها، لكنها لا تملك الحق في أن تصرخ.





