اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

حين ترضى الآخرين تخسر نفسك

حين ترضى الآخرين تخسر نفسك
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

هناك أشخاص يعيشون حياتهم وهم يحملون على أكتافهم رغبات الآخرين. يقولون نعم عندما يريدون قول لا. يوافقون عندما يكون الرفض هو القرار الصحيح. يتحملون ما لا يستطيعون تحمله. يصمتون عن أشياء تؤلمهم حتى لا يغضب أحد. ويقدمون التنازلات تلو التنازلات حتى تصبح التنازلات جزءاً من شخصياتهم. ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم كانوا مشغولين طوال الوقت بإرضاء الآخرين حتى نسوا السؤال الأهم. ماذا تريد أنت؟

مقالات ذات صلة

إرضاء الآخرين ليس فضيلة فى كل الأحوال. كما أن رفض طلب شخص آخر ليس قسوة بالضرورة. فالإنسان المتزن يعرف أن العلاقات الإنسانية لا تقوم على الموافقة الدائمة. وإنما تقوم على الإحترام المتبادل. ومن لا يستطيع أن يضع حدوداً واضحة في علاقاته يصبح معرضاً للإستغلال. وقد يتحول مع الوقت إلى شخص غاضب من الجميع. لأنه أعطى أكثر مما يستطيع. ولأنه سمح للآخرين بأن يعتادوا على عطائه دون أن يطلبوا منه ذلك صراحة.

المشكلة تبدأ غالباً من فكرة تبدو جميلة فى ظاهرها. أريد أن أكون شخصاً محبوباً. أريد ألا أغضب أحداً. أريد أن أظل مقبولاً لدى الجميع. لكن هذه الرغبة إذا تجاوزت حدودها تتحول إلى قيد نفسى. فالإنسان الذى يجعل رضى الآخرين معياراً دائماً لقيمته يصبح أسيراً لنظرتهم إليه. يفرح إذا أثنوا عليه. ويحزن إذا إنتقدوه. ويشعر بالذنب إذا رفض لهم طلباً. وقد يفعل أشياء لا يريدها فقط حتى لا يسمع كلمة تقول له أنت أنانى أو قاسٍ أو تغيرت.

وهنا يجب أن نفرق بين الطيبة وضعف الشخصية. الطيبة إختيار أخلاقى يفعله الإنسان وهو قادر على الرفض. أما الضعف فهو أن يفقد الإنسان حقه فى الرفض خوفاً من رد فعل الآخرين. الإنسان الطيب يستطيع أن يساعدك لأنه يريد مساعدتك. أما الإنسان الذى يخاف إغضابك فقد يساعدك وهو يشعر بالإختناق. ثم يعود إلى نفسه مثقلاً بالندم والغضب. وقد لا يكون غضبه منك وحدك. بل من نفسه أيضاً لأنه لم يمتلك الشجاعة ليقول ما يريد.

كثير من الناس تربوا منذ الصغر على مفهوم خاطئ عن الأدب. قيل لهم إن إحترام الكبير يعنى الموافقة. وإن المحبة تعنى التضحية المستمرة. وإن الشخص الجيد هو الذى يخدم الآخرين ولا يرفض لهم طلباً. وبمرور السنوات تتكون داخل الإنسان علاقة غريبة بين الأخلاق والتنازل. فيعتقد أن الحفاظ على إحترامه للآخرين يتطلب منه أن يتخلى بإستمرار عن راحته ووقته وحقوقه.

لكن الإحترام الحقيقى لا يعنى إلغاء الذات. والتواضع لا يعنى قبول الإهانة. والمحبة لا تعنى السماح بالتجاوز. والتسامح لا يعنى أن تفتح الباب للخطأ نفسه كل مرة. والمساعدة لا تعنى أن تصبح مسؤولاً عن حياة الآخرين.

أحياناً يكون أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أنه يسمح للآخرين بالتعود على تنازلاته. فإذا إعتدت أن تلبى كل طلب. أصبح رفضك لاحقاً فى نظر بعض الناس مشكلة. وإذا إعتدت أن تسكت عن تجاوز معين. أصبح سكوتك بالنسبة إليهم موافقة. وإذا إعتدت أن تتحمل مسؤوليات ليست مسؤولياتك. أصبح من الصعب عليهم أن يتقبلوا عودتك إلى حدودك الطبيعية.

ولهذا فإن وضع الحدود لا يبدأ مع الآخرين. بل يبدأ مع الإنسان نفسه. عليك أولاً أن تعرف ما الذي تستطيع تقديمه وما الذى لا تستطيع تقديمه. ما الذى تقبله وما الذى ترفضه. ما الذى يمكن أن تتسامح معه وما الذى يمثل بالنسبة إليك تجاوزاً لا يجوز تكراره.

وهنا تظهر مشكلة أخرى. بعض الناس لا يعرفون حدودهم لأنهم لم يتعلموا التفكير فى أنفسهم أصلاً. حياتهم كلها موجهة إلى الخارج. ماذا يريد الأبناء؟ ماذا يريد الأقارب؟ ماذا يريد الأصدقاء؟ ماذا يريد زملاء العمل؟ ماذا سيقول الناس؟ كيف سينظرون إلي؟ وفى وسط كل هذه الأسئلة يختفى سؤال واحد. ماذا أريد أنا؟

ليس المقصود أن يتحول الإنسان إلى شخص أنانى. فالمجتمع لا يمكن أن يقوم على الأنانية. والأسرة لا يمكن أن تستمر إذا أصبح كل فرد لا يفكر إلا في نفسه. وإنما المقصود أن يتعلم الإنسان التوازن. أن يعطي دون أن يهدم نفسه. وأن يساعد دون أن يتحول إلى ضحية. وأن يحب دون أن يفقد كرامته. وأن يحافظ على علاقاته دون أن يدفع ثمنها من راحته النفسية بإستمرار.

ومن أخطر نتائج إرضاء الآخرين أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها التعبير عن غضبه بطريقة صحيحة. لأنه ظل سنوات طويلة يكبت مشاعره. ثم يأتى يوم ينفجر فيه بسبب موقف صغير. فيتعجب الآخرون من شدة رد فعله. بينما الحقيقة أن الإنفجار لم يكن بسبب الموقف الأخير وحده. وإنما كان نتيجة سنوات من الصمت والتنازل والكتمان.

الغضب المكبوت لا يختفى. إنه يتراكم. وكل تنازل غير راضٍ عنه الإنسان يترك أثراً فى داخله. وكل كلمة أراد قولها وسكت عنها قد تصبح جزءاً من غضب مؤجل. وكل موقف شعر فيه بأنه تعرض للإستغلال ولم يعترض عليه قد يتحول إلى مرارة. ولهذا فإن الإنسان الذى لا يعرف كيف يقول لا بطريقة محترمة قد ينتهى به الأمر إلى قولها بطريقة قاسية.

الحل إذن ليس في أن ترفض الجميع. وليس فى أن تتوقف عن مساعدة الناس. وليس في أن تتعامل مع العلاقات بمنطق الحساب البارد. الحل فى أن تتعلم فن الرفض المحترم.

يمكن للإنسان أن يقول. أعتذر. لا أستطيع القيام بهذا الأمر الآن. ويمكنه أن يقول. أتفهم حاجتك. لكن هذا الأمر يتجاوز قدرتى. ويمكنه أن يقول. أتمنى أن أساعدك. لكن ظروفى لا تسمح بذلك. هذه العبارات ليست إهانة للآخر. وليست إعلاناً للحرب. إنها إعلان هادئ عن حدود الإنسان.

ولا تحتاج كل كلمة لا إلى شرح طويل. فالإفراط في التبرير يجعل الإنسان يبدو وكأنه يطلب الإذن من الآخرين كى يحافظ على حقه. عندما ترفض طلباً لا يناسبك. ليس من الضرورى أن تقدم محاضرة كاملة عن أسباب الرفض. يكفى أن تكون واضحاً ومحترماً.

ومن الحلول العملية المهمة أن يتوقف الإنسان عن الإجابة الفورية على كل طلب. إذا طلب منك شخص شيئاً وأنت غير متأكد من قدرتك عليه. لا تقل نعم فوراً. خذ وقتاً للتفكير. قل له سأراجع ظروفى وأخبرك. هذه الجملة البسيطة تمنحك مساحة نفسية لإتخاذ قرار حقيقى بدلاً من إتخاذ قرار تحت ضغط اللحظة.

ومن المهم أيضاً أن تتعلم التفرقة بين الشعور بالذنب وبين إرتكاب الخطأ. قد تشعر بالذنب لأنك رفضت طلباً. لكن الشعور بالذنب لا يعنى بالضرورة أنك أخطأت. أحياناً يكون الذنب مجرد نتيجة لتعودك على إرضاء الآخرين. وكل عادة نفسية تحتاج إلى وقت حتى تتغير.

فى البداية ستشعر بأنك قاسٍ. ثم ستكتشف أنك فقط أصبحت واضحاً. ستشعر أن الآخرين غاضبون منك. ثم ستكتشف أن بعضهم كان غاضباً لأنك لم تعد متاحاً للإستغلال كما كنت. وستشعر أنك تغيرت. ثم تفهم أن التغيير لم يكن فى أخلاقك. وإنما كان فى حدودك.

وهنا يجب أن نكون منصفين. ليس كل شخص يغضب من رفضك مستغلاً. هناك أشخاص قد يتفاجأون فقط لأنهم لم يعتادوا سماع الرفض منك. لذلك لا ينبغى أن تفسر كل رد فعل سلبى بإعتباره مؤامرة أو إستغلالاً. الإنسان الناضج يراجع نفسه أيضاً. قد يكون رفضه فى غير محله. وقد يكون أسلوبه قاسياً. وقد يكون الطرف الآخر صاحب حق حقيقى. لذلك فإن وضع الحدود يحتاج إلى عقل لا إلى عناد.

ومن أهم الحلول كذلك أن تعيد ترتيب أولوياتك. وقتك ليس شيئاً بلا قيمة. صحتك وراحتك وعلاقاتك الأساسية ومسؤولياتك ليست أموراً يمكن التضحية بها فى كل مرة. عندما تعطى شخصاً ساعتين من وقتك. فأنت لا تعطيه ساعتين فقط. أنت تعطيه جزءاً من عمرك لن يعود مرة أخرى. ولهذا فإن إدارة الوقت ليست مسألة عملية فقط. إنها إحترام للحياة.

كما يجب أن يتعلم الإنسان ألا يجعل نفسه مسؤولاً عن مشاعر الآخرين. أنت مسؤول عن طريقة تعاملك مع الناس. لكنك لست مسؤولاً عن أن يرضى الجميع عنك. يمكنك أن ترفض بإحترام. ومع ذلك قد يغضب شخص منك. يمكنك أن تقول الحقيقة بأدب. ومع ذلك قد لا تعجب شخصاً. يمكنك أن تختار ما يناسب حياتك. ومع ذلك قد ينتقدك البعض.

لو جعل الإنسان مهمته فى الحياة أن يمنع الآخرين من الغضب منه. فلن يستطيع أن يعيش حياته أبداً. لأن البشر مختلفون في رغباتهم وتوقعاتهم. وما يرضى شخصاً قد يزعج آخر. وما يراه أحدهم حقاً قد يراه غيره تقصيراً. لذلك لا يمكن أن تكون راحة الإنسان النفسية رهناً بموافقة الجميع.

وهناك قاعدة مهمة ينبغى ألا ينساها الإنسان. الشخص الذى يحبك حقاً قد يحزن من قرارك أحياناً. لكنه يحترم حقك فى إتخاذ القرار. أما العلاقة التى لا تستمر إلا إذا وافقت دائماً. فهى علاقة تحتاج إلى مراجعة. لأن المحبة الحقيقية لا تطلب منك أن تلغى شخصيتك كى تبقى مقبولاً.

وفى الأسرة تحديداً يجب أن نعلم أبناءنا هذه المعانى مبكراً. يجب أن نعلم الطفل أن إحترام الآخرين لا يعنى الخضوع لهم. وأن المساعدة قيمة جميلة لكنها ليست واجباً فى كل موقف. وأن من حقه أن يعبر عن رفضه بطريقة مؤدبة. وأن الإعتذار لا يكون فقط عندما يخطئ. وإنما يمكن أن يقول أعتذر عن عدم قدرتى على القيام بهذا الأمر.

إن الطفل الذى يتعلم الحدود الصحية يكبر وهو أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة. بينما الطفل الذى يتعلم أن الحب مرتبط دائماً بالطاعة المطلقة قد يكبر وهو يبحث عن قبول الآخرين بأى ثمن. وقد يصبح فى مرحلة لاحقة أكثر عرضة لعلاقات تستنزفه.

وفى الصداقة أيضاً تظهر هذه المشكلة بوضوح. بعض الأشخاص يظنون أن الصديق الحقيقى هو الذى يكون متاحاً فى كل وقت. بينما الصداقة الناضجة تعرف أن لكل إنسان ظروفه ومسؤولياته. ليس من حق الصديق أن يطلب منك دائماً أن تتنازل عن وقتك وراحتك. كما أن رفضك لبعض طلباته لا يعنى أنك لا تحبه.

وفى العمل قد يتحول الشخص الذى لا يستطيع الرفض إلى موظف يحمل فوق طاقته. فيقبل كل مهمة إضافية. ويتحمل أخطاء غيره. ويؤجل إحتياجاته. ثم يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن الجميع يستفيد منه ولا أحد يقدره. وفى هذه الحالة لا يكون الحل دائماً في إنتظار أن يكتشف الآخرون معاناته. بل فى أن يتعلم الإنسان التعبير الواضح عن قدرته وحدوده ومسؤولياته.

ولا يعنى ذلك أن يصبح الإنسان صدامياً. هناك فرق كبير بين الحزم والعنف. الحزم أن تقول ما تريد بوضوح مع إحترام الآخر. أما العنف فهو أن تفرض موقفك بإهانة الآخرين. والحزم لا يحتاج إلى صوت مرتفع. أحياناً تكون أقوى كلمة هى التى تقال بهدوء.

والإنسان الذي يريد أن يتخلص من عادة إرضاء الآخرين يحتاج إلى تدريب يومى. يبدأ بمواقف صغيرة. يرفض طلباً لا يستطيع تلبيته. يؤجل الإجابة عندما يحتاج إلى التفكير. يعبر عن رأيه عندما يكون له رأى مختلف. يعتذر عندما يخطئ. ويرفض الإعتذار عن شيء لم يفعله. ومع كل موقف يتعلم أن العالم لا ينهار عندما يقول لا.

بعد فترة سيكتشف شيئاً مهماً. بعض العلاقات ستتغير. بعضها سيصبح أفضل. وبعضها قد يبتعد. وهذا ليس بالضرورة خسارة. فالعلاقة التى تحتاج إلى تنازلك المستمر حتى تستمر قد تكون قد إستمرت طويلاً على حسابك أنت.

لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون محبوباً من الجميع. يحتاج إلى أن يكون محترماً من نفسه أولاً. يحتاج إلى أن يعرف قيمته دون أن ينتظر شهادة الآخرين. يحتاج إلى أن يعطى من قلبه دون أن يتحول إلى شخص مستباح. ويحتاج إلى أن يقول لا عندما تكون نعم ظلماً لنفسه.

الحياة ليست مسابقة لإرضاء الآخرين. وليست شهادة يحصل عليها الإنسان عندما يصفق له الجميع. الحياة مسؤولية. ومن مسؤولية الإنسان أن يحافظ على قلبه وعقله ووقته وكرامته. وأن يعرف أن الطيبة التى بلا حدود قد تتحول إلى إستنزاف. وأن التسامح الذى بلا وعى قد يتحول إلى قبول للخطأ. وأن المحبة التى تلغى الإنسان ليست محبة كاملة.

قل نعم عندما تستطيع. وقل لا عندما يجب. ساعد من تستطيع مساعدته. وإعتذر عندما تخطئ. وإحترم الآخرين دون أن تهدر إحترامك لنفسك. لا تجعل خوفك من غضب الناس سبباً فى غضبك الدائم من حياتك.

فأقسى أنواع الخسارة ليست أن تخسر شخصاً لأنك قلت له لا. وإنما أن تخسر نفسك لأنك لم تجرؤ يوماً على قولها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى