اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

جدران باردة ………

جدران باردة
بقلم / سهير محمود عيد
في الماضي القريب، لم تكن بيوتنا مجرد جدران خرسانية وأبواب مغلقة بأقفال حديدية ؛ كانت البيوت مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحاً وسعة. كان الجار يعرف ما يطبخه جاره فيقاسمه اللقمة بحب، وإذا غاب أحدهم يوماً تفقدوه سريعاً، وإذا ألمّت بأحدهم ضائقة هبّ الجميع لنجدته ودعمه دون تفكير. كانت “اللمّة” والأمان المجتمعي هما العنوان الأساسي والروحي لحاراتنا وقرانا ومدننا العربية، حيث يشعر الفرد دائماً بأنه محاط بعائلة كبرى تحميه وتسانده.اليوم، تبدل المشهد تماماً. أصبحنا نعيش في بنايات سكنية شاهقة وحديثة، يضم الطابق الواحد فيها عدة شقق متجاورة، لكن المفارقة الغريبة والمهينة أن الجار بات لا يعرف حتى اسم جاره الذي لا يفصله عنه سوى جدار واحد! نلتقي بالصدفة في المصعد أو عند المداخل، فنتبادل تحية عابرة باردة وسريعة، ثم يهرع كل منا ليغلق بابه خلفه بإحكام، وكأننا نعيش في جُزر معزولة وخلف حصون منيعة. لقد تحولت علاقاتنا الإنسانية والاجتماعية إلى رسميات جافة ومجاملات باهتة، واختفت تلك العفوية والبساطة والطيبة الفطرية التي كانت تُزين مجتمعاتنا وتمنحها طعمها الخاص.هذا التحول الخطير لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة ريتم الحياة السريع، والركض المستمر خلف الماديات، بالإضافة إلى الخوف المبالغ فيه من التدخل في شؤون الآخرين بحجة الحفاظ على الخصوصية. أضف إلى ذلك الانشغال الكامل بالشاشات والهواتف الذكية التي قربت البعيد وفصلتنا تماماً عن القريب. وبسبب هذا الانعزال، خسرنا سنداً حقيقياً وأماناً نفسياً لا يعوض. الجار في ثقافتنا العربية الأصيلة ليس مجرد شخص يسكن بالمصادفة بجوارك، بل هو الأهل والأقارب حين يغيب الأهل، وهو أول من تلجأ إليه في وقت الشدة والأزمات قبل أن يصل إليك أي شخص آخر.إن العودة إلى إحياء هذه الروابط الإنسانية البسيطة والضرورية ليست أمراً مستحيلاً، ولا تحتاج منا إلى معجزات أو مجهود خارق. المسألة تبدأ بابتسامة صادقة نابعة من القلب في الممر، بسؤال حقيقي وودود عن أحوال الجار وأولاده، أو بمشاركة طبق طعام بسيط تتهادى به العائلات في المناسبات لكسر الجليد. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى فتح قلوبنا وعقولنا قبل أن نفتح أبوابنا المغلقة، لنعيد الدفء المفقود إلى مجتمعنا العربي، ونُثبت لأنفسنا وللجميع أن طيبة زمان وأصالة النفوس لم تمتا بعد، بل هما فقط في حالة سبات وتنتظران مبادرة بسيطة من شخص واعي ومحب ليوقظهما من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى