
الأنانية الإجتماعية وإختفاء معنى المصلحة العامة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم تعد الأنانية مجرد سلوك فردى يظهر فى بعض المواقف العابرة. لقد أصبحت فى أحيان كثيرة طريقة تفكير تحكم علاقة الإنسان بمن حوله. أصبح البعض ينظر إلى الحياة من زاوية ضيقة تبدأ عند مصلحته وتنتهى عندها. فإذا تحققت مصلحته. فلا بأس بما يحدث للآخرين. وإذا تعارضت مصلحته مع الصالح العام. أصبح مستعداً لتبرير الخطأ ما دام سيخرج منه مستفيداً.
المشكلة الحقيقية ليست فى أن يبحث الإنسان عن مصلحته. فهذا أمر طبيعى ومشروع. المشكلة تبدأ عندما تتحول المصلحة الشخصية إلى مقياس وحيد للحياة. عندها يتراجع الشعور بالآخرين. وتختفى المسافة الأخلاقية بين ما أريده لنفسى وما أفعله بالآخرين.
المجتمع لا يقوم على المصالح الفردية وحدها. المجتمع شبكة واسعة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات. أنت تحتاج إلى الآخرين كما يحتاجون إليك. والطريق الذى تسير فيه اليوم قد يسير فيه غيرك غداً. والخدمة التى تطالب بها لنفسك قد تحتاجها أسرة أخرى. والنظام الذى تراه عبئاً عليك قد يكون هو نفسه الذى يحفظ حقك عندما تتعرض للظلم.
لكن الأنانية الإجتماعية تجعل الإنسان يرى الجزء الذى يخصه فقط. قد يطالب بالنظافة أمام منزله. ثم يلقى مخلفاته فى الشارع. وقد يطالب بالإنضباط فى مكان عمله. ثم يبحث عن إستثناء لنفسه. وقد يغضب من تجاوز الآخرين. ثم يعتبر تجاوزه الشخصى أمراً بسيطاً لا يستحق الإهتمام.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة. كل شخص يريد مجتمعاً أفضل. لكن بعض الناس يريدون هذا المجتمع بشرط ألا يطلب منهم شيئاً.
يريدون شوارع نظيفة. لكنهم لا يرون مشكلة فى إلقاء المخلفات خارج الأماكن المخصصة لها. يريدون خدمات جيدة. لكنهم لا يهتمون بالحفاظ على الممتلكات العامة. يريدون إحترام القانون. لكنهم يبحثون عن طريقة للإلتفاف عليه عندما يتعارض مع رغبتهم. يريدون من الآخرين أن يتحملوا مسؤولياتهم. بينما يعتبرون مسؤولياتهم الشخصية شأناً يمكن تأجيله أو تجاهله.
المصلحة العامة لا تبدأ من المؤسسات وحدها. تبدأ من المواطن أيضاً. فالجهة المسؤولة تستطيع أن تضع القوانين واللوائح. وتوفر الخدمات. وتراقب الأداء. وتعاقب المخالف. لكنها لا تستطيع أن تضع داخل كل إنسان ضميراً يراقب نفسه طوال الوقت.
القانون يستطيع أن يمنع جزءاً من الخطأ. لكن الوعى هو الذى يمنع الإنسان من التفكير فى إرتكاب الخطأ من الأساس.
وهذا هو الفارق بين المجتمع الذى يعيش بالقواعد فقط والمجتمع الذى يمتلك ثقافة عامة تحترم القواعد. فى المجتمع الأول يبحث الإنسان دائماً عن عين تراقبه. أما فى المجتمع الثانى فيتعلم أن بعض الأفعال يجب ألا يفعلها حتى لو لم يكن هناك أحد يراه.
الأنانية الإجتماعية لا تظهر دائماً فى صورة جريمة كبيرة. أحياناً تبدأ بتصرف صغير يراه صاحبه بلا قيمة. إلقاء ورقة فى الطريق. تعطيل صف طويل لأن الشخص يريد أن ينهى مصلحته أولاً. إحتلال مكان ليس من حقه. إزعاج الآخرين لأن راحته أهم. إستخدام مرفق عام بطريقة تضر غيره. الصمت عن مخالفة لأنه مستفيد منها.
كل هذه التفاصيل تبدو صغيرة منفردة. لكنها عندما تتكرر من آلاف الأشخاص تصبح ثقافة عامة. وما يبدأ كسلوك فردى قد يتحول بمرور الوقت إلى مشكلة مجتمعية يصعب علاجها.
الأخطر من ذلك أن الإنسان عندما يرى المخالفة تتكرر أمامه كثيراً يبدأ فى فقدان حساسيته تجاهها. يصبح الخطأ مألوفاً. وما كان يرفضه بالأمس قد يقبله اليوم. ثم يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها السلوك الخاطئ عادياً. بينما يبدو السلوك الصحيح غريباً أو مثالياً أكثر من اللازم.
وهنا لا تعود المشكلة فى وجود المخالفة فقط. بل فى تغير نظرة الناس إليها.
من أخطر الأفكار التى يمكن أن تترسخ داخل المجتمع فكرة: (وماذا سأفعل أنا؟). هذه الجملة تبدو أحياناً بريئة. لكنها قد تكون بداية إنسحاب الإنسان من مسؤوليته. فإذا قالها الجميع. فلن يبقى أحد يشعر بأن عليه دوراً.
أنا وحدى لن أغير شيئاً. هكذا يقول البعض. لكن المجتمع لم يتغير يوماً بفعل شخص واحد فقط. التغيير يبدأ من أفراد يرفضون أن يكونوا جزءاً من المشكلة. ثم ينتقل أثرهم إلى الآخرين.
ليس المطلوب من المواطن أن يصبح بطلاً يحمل هموم المجتمع كلها فوق كتفيه. المطلوب فقط أن يدرك أن تصرفاته اليومية ليست منفصلة تماماً عن حياة الآخرين.
عندما تحافظ على المكان الذى تستخدمه. فأنت لا تخدم نفسك وحدك. وعندما تلتزم بالدور. فأنت لا تحترم وقتك فقط. وعندما تحافظ على المرفق العام. فأنت تحافظ على حقك وحق غيرك. وعندما ترفض الإستفادة من مخالفة. فأنت تمنح المجتمع فرصة صغيرة ليكون أكثر عدلاً.
المصلحة العامة ليست شعاراً نرفعه فى المناسبات. هى مجموعة من السلوكيات اليومية التى قد تبدو بسيطة. لكنها تصنع فى مجموعها صورة المجتمع.
والمجتمع الذى يفقد معنى المصلحة العامة يتحول تدريجياً إلى مجموعة من الأفراد المتجاورين. لا إلى مجتمع حقيقى. كل واحد يبحث عن مصلحته. كل واحد يحاول حماية نفسه. وكل واحد يرى أن مسؤولية الآخرين أهم من مسؤوليته.
عندها يصبح التعاون ضعيفاً. والثقة أقل. والشكوى أكثر. ويصبح الناس مستعدين لاتهام المجتمع كله. دون أن يسأل أحد نفسه عن الجزء الذى ساهم به فى المشكلة.
ومن المؤسف أن بعض الناس يطالبون بالإصلاح وهم لا يريدون تغيير أى سلوك من سلوكياتهم. يريدون أن تتغير المؤسسات. ويريدون أن تتغير الشوارع. ويريدون خدمات أفضل. ويريدون نظاماً أكثر إنضباطاً. لكنهم لا يتصورون أن الإصلاح يمكن أن يبدأ من أنفسهم.
الحقيقة أن الإصلاح العام لا يمكن أن ينجح إذا ظل المواطن ينظر إليه بإعتباره مسؤولية الآخرين فقط.
هناك مسؤولية على الأجهزة المحلية. وهناك مسؤولية على المؤسسات. وهناك مسؤولية على الموظف. وهناك مسؤولية على الأسرة والمدرسة والإعلام. لكن هناك أيضاً مسؤولية واضحة على المواطن نفسه.
ولا يعنى الإعتراف بهذه المسؤولية تبرئة المقصر أو إعفاء المؤسسات من واجباتها. بل يعنى وضع كل مسؤولية فى مكانها الصحيح. فكما لا يجوز للمواطن أن يلقى كل أخطائه على المؤسسات. لا يجوز للمؤسسات أن تستخدم أخطاء بعض المواطنين ذريعة للتقصير فى أداء واجباتها.
المجتمع الناجح هو الذى يعرف فيه كل طرف حدوده وحقوقه وواجباته.
المصلحة العامة تحتاج إلى ثقافة تتجاوز فكرة (أنا أولاً ). تحتاج إلى أن يفهم الإنسان أن إحترام حق الآخرين لا ينتقص من حقه. وأن النظام ليس عدواً للحرية. وأن الإلتزام ليس ضعفاً. وأن التنازل عن منفعة صغيرة أحياناً قد يكون حماية لمنفعة أكبر تخص الجميع.
وقد يكون أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان أن يسأل نفسه قبل أن يتصرف: هل ما أفعله يحقق مصلحتى فقط. أم يمكن أن أحقق مصلحتى دون أن أضر بحقوق الآخرين؟
هذا السؤال البسيط قادر على تغيير الكثير.
فالمجتمع لا ينهار فجأة. ولا يفقد قيمه فى يوم واحد. يبدأ الأمر بتنازلات صغيرة عن الضمير. ثم يصبح الإستثناء عادة. ثم تتحول العادة إلى سلوك مقبول. وبعد ذلك يصبح الخطأ جزءاً من المشهد العام.
ولهذا فإن مقاومة الأنانية الإجتماعية ليست مهمة مثالية أو رفاهية فكرية. إنها ضرورة للحفاظ على تماسك المجتمع.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتخلى فيه الإنسان عن مصلحته. نحن نحتاج إلى مجتمع يعرف فيه الإنسان كيف يحقق مصلحته دون أن يسلب الآخرين حقوقهم.
فالفرق كبير بين أن تقول: (مصلحتى أهم من الجميع ). وأن تقول: ( أريد حقى. وأحترم حق غيرى ).
الأولى تصنع صراعاً دائماً. والثانية تصنع مجتمعاً يستطيع أفراده أن يعيشوا معاً.
لا تُقاس قيمة الإنسان بما يحصل عليه لنفسه فقط. بل بما يتركه من أثر فى حياة الآخرين. وقد لا نملك جميعاً القدرة على تغيير مجتمع كامل. لكننا نملك القدرة على ألا نكون سبباً فى إفساده.
فالمصلحة العامة تبدأ من لحظة يفهم فيها الإنسان أن الشارع الذى يسير فيه ليس ملكاً له وحده. والمكان الذى يعمل فيه ليس ملكاً له وحده. والمرفق الذى يستخدمه ليس ملكاً له وحده. والمجتمع الذى يعيش فيه ليس ملكاً له وحده.
نحن جميعاً شركاء فى هذا المكان. وما نفعله اليوم لا ينتهى عند حدودنا الشخصية. قد يصل أثره إلى إنسان لا نعرفه. وربما يعود إلينا يوماً فى صورة حق أو خدمة أو موقف.
لهذا فإن أول خطوة لمواجهة الأنانية الإجتماعية ليست أن نطالب الآخرين بأن يتغيروا. بل أن نراجع نحن أنفسنا. أن نسأل قبل كل تصرف: هل أتصرف لأننى أستطيع. أم لأن ما أفعله صحيح؟
عندها فقط تبدأ المصلحة العامة فى إستعادة معناها الحقيقى.





