
لأ تستطيع نسياني
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
ستدركُ يقيناً، مع مرورِ الأيامِ وتوالي الخيبات، أنَّ غيابي لم يكن مجردَ فراغٍ عابر، بل كان اقتطاعاً من رُوحك لن يرممهُ أحد. ستفتقدني بكل تفاصيلِ الشعورِ الممكنة، لا لأنني كنتُ حبيبةً عابرة في سجلِ حياتك الحافل، فالحبيباتُ في مدارِك كُثر، يتوافدنَ كالفصولِ ويذهبنَ مع الريح. ولن تفتقدني لأنني كنتُ صديقةً تؤانسُ وحشتك، فلديكم من الأصدقاءِ والرفاقِ ما يملأُ وقتك ويُصمُّ أذنيك عن صوتِ الحقيقة.
هل تودُّ حقاً أن تعرف من كنتُ أنا؟
لقد كنتُ لكَ الملاذَ الأخير، والوطنَ الذي لا يُغادرهُ ساكنوه. كنتُ لكَ أماً لم تلدك، لكنها أرضعتكَ حناناً لا ينضب، واحتضنتكَ حين ضاقت بكَ سبلُ الأرضِ بما رحبت. كنتُ لكَ الحضنَ الذي تهرعُ إليه كلما أدمت أقدامك عثراتُ الطريق، والسكينةَ التي تتنزلُ على قلبك حين تضطربُ من حولك الأمور.
لن تجد في هذا العالم المترامي، ومهما طال بكَ البحث، امرأةً أخرى تمتلكُ القدرةَ على أن تُعاملكَ كطفلها المدللِ مثلي. تلك التي كانت تضيقُ ذرعاً أحياناً بدلالك المفرط وتمردك، لكنه كان يَعِزُّ على قلبها أن تردَّ لكَ طلباً، أو تكسرَ لكَ خاطراً، أو تشيحَ بوجهها عنك وأنتَ في قمةِ احتياجك.
لن تجدَ في أحضانِ النساء اللواتي سيأتينَ من بعدي ذلك المزيجَ النادر من الحنانِ الجارف والاهتمامِ الذي يتغلغلُ في أدقِ مفاصل حياتك. لن تستطيعَ امرأةٌ أخرى أن تُذيبَ كيانك في بوتقةِ العشقِ كما فعلت، ولا أن تُشعلَ في أعماقك نيرانَ الشوقِ والجنونِ واللوعةِ التي تجعلُك تشعرُ أنك حيٌّ لأول مرة.
كلُّ تفاصيلك الصغيرة، تلك التي كنتُ أرعاها بعينيَّ وأسقيها بقلبي، ستشتكي لوعةَ الفقدِ من بعدي. ستبحثُ عطوري في ثيابك، وستفتقدُ لمساتي في زوايا غرفتك، وستبكي كلماتُك التي لم يفهمها أحدٌ غيري على أعتابِ صمتي الطويل.
وصيةٌ لن تُقرأ مرتين
نصيحتي الأخيرة لك، وهي نصيحةُ امرأةٍ نذرت رُوحها لكَ يوماً: لا تحاول نسياني. إنَّ محاولتك للنسيانِ هي محضُ عبث، فأنا امرأةٌ لم تُخلق لتُطوى في صفحاتِ الماضي، ولا لأُنشرَ في مهبِ الذكرياتِ المنسية. أنا امرأةٌ نُقشت في وجدانك بماءِ الذهب ونارِ التجربة، ومن كان مثلي لا يزولُ بزوالِ الأجساد.
ولا تظنَّ واهماً أنك قادرٌ على خوضِ غمارِ الحبِ من جديد بقلبٍ سليم، فلا امرأةَ على وجه هذه البسيطة تستطيعُ أن تسكنَك، أو تسكنَ فيك، أو تعيدَ ترميمَ ما هدمهُ رحيلي. كلُّ النساء اللواتي ستقابلهنَّ، وكلُّ الوجوه التي ستتأملها، لن يفعلنَ شيئاً سوى تذكيرك بعمقِ خسارتك، وبفداحةِ ما فقدت.
سيرون في عينيكَ أثري، وفي نبرةِ صوتك وجعي، وسيدركنَ تماماً أنك جسدٌ يحنُّ لروحٍ غادرته، لأنني ببساطة.. لم أكن يوماً امرأةً عادية.





